آخر تحديث: 2019-12-10 05:29:05
شريط الأخبار

«فتق المفتوق»..

التصنيفات: زوايا وأعمدة,قوس قزح

جمعتني الأيام أثناء وجودي في المشفى بصديق متقاعد أطلق على نفسه اسم (جيبو) ولا أدري لماذا… ربما لأن جيبه مثقوب ودخله منهوب، كان صديقي يقول لي في السابق: سيأتي يوم يجور فيه الزمان على الموظفين… يركضون وراء الرغيف فلا يدركونه، وينامون مديونين، ويستيقظون «مفلسين»..
وعلى كل حال فإن اسم (جيبو) ليس غريباً في هذا الزمن، حيث صارت قيمة الإنسان تقاس بجيبه، وصار الكثيرون من قليلي الضمير أصحاب جيوب متورمة منتفخة، وفي سبيل جيوبهم أحلّوا التهريب، وقنونوا الرشوة، وفتحوا أبواب نهب الأموال العامة، وشرّعوا سرقة قوت الناس، والتمتع بعسل السلطة، وحللوا أكل الحصرم قبل أن يصير عنباً، وصار الولاء هو المقياس، وأوكلوا العمل للوسواس الخناس… أما نحن أصحاب الدخل المهدود، ومن لفّ لفّنا من فئات منتوفة، فقد صرنا (ع الأرض يا حكم) بعد أن سحبوا من تحتنا الحصيرة..
ثم تنهد الرجل، فانتهزت تنهده، وسألته: وما سبب مجيئك إلى المشفى؟، يا كثير النق والشكوى؟..
عاد للتنهد ثانية، وأجاب: معي فتق منذ عشر سنوات، وأريد إجراء عملية له..
قلت: يا رجل.. كل هذه السنوات من الخيبات، وأنت صابر على «فتقك».. فما الذي دفعك لإجرائه الآن؟..
قال: حين انتهت الأمور إلى ما انتهت إليه، وصارت «الفتوقات» أكثر من الإضمامات.. قلت لنفسي: يا ولد… إذا كان «فتق» الأمة غير قابل للإصلاح.. فلماذا لا تجرب إصلاح «فتقك»؟.. وها قد حكيت لك حكاية «فتقي».. فما حكايتك أنت؟..
أجبت: والله يا صاحبي.. أنا أتيت إلى هنا كي «أنفتق» طوعاً.. أليس معي الحق في الانفتاق الطوعي بعدما صارت روحي «مفتوقة» من كل الجهات؟!..
قال: معك حق.. وما دامت الأمور «مفتوقة»، «مفتوقة».. فـ.. السلام عليكم..
ثم خرج وهو يلوح بيده..
بينما بقيت أنا أنتظر الصبر الجميل، الذي قد يأتــي، أو لا يأتي!…

طباعة

التصنيفات: زوايا وأعمدة,قوس قزح

Comments are closed