لعل أخطر ما في الحوارات الدينية الراهنة، تلك النزعة المستبدة بوهم كل طرف من أطراف الحوار بأنه المالك الوحيد للحقيقة الدينية المطلقة.. وتالياً فهو يتكلم مع الآخر بوصفه الوريث الشرعي لما هو الحق، بينما الآخر المختلف هو الباطل الذي لا يملك شيئاً من مفاتيح الهداية وأسرارها عقيدة وشريعة.. لينتهي السجال من وراء هذه النزعة إلى التكفير والتكفير المضاد بشعارات تؤجج مناخات الفتن بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة.
ولا يمكن معالجة أزمة المعرفة بجوهر الدين من جهة وتصحيح نظرتنا إلى صورة الآخر من جهة ثانية إلا بحوار هادئ يقوم بمهمة النقد الذاتي ومراجعة إرثنا الحضاري من أجل تشكيل وعينا الأخلاقي بالدين على أساس احترام الآخر والدفاع عن كرامته وحريته في المعتقد وتوظيف ذلك في اجتماعنا الديني المتعدد بحوار ينطلق من مكونات التقريب بين مذاهبنا وطوائفنا. كذلك، تأتي أهمية النقد الذاتي في تصحيح مسارات الحوار بمنهج يضع معطيات الواقع أمام التاريخ وليس العكس فنبدأ من عقل الحكمة بدراسة أمراضنا وأخطائنا لنرسم من وراء علاجها وحلولها طريقنا الذي يتفاعل مع فهم أفضل لقيمنا المشتركة في رسالاتنا التوحيدية، فلا نظل، في ظلام الفتن التي تعصف بنا، مجرد كائنات تتقمص الماضي وتنفعل بسلبياته من دون الاستناد إلى نظرية معرفية توجه تفكيرنا وتخطيطنا لمستقبل نريده جميعاً ألّا يغرق بالخطايا والأخطاء ذاتها التي ارتكبت من أول التاريخ الديني وحتى الراهن المعاصر.. فمن لا يجيد استلهام العبرة من الحدث التاريخي يظل جزءاً من تراكم سيئاته ولن يستعيد التاريخ آثامه القديمة إلا عندما يكون الحاضر محكوماً بذهنية تقدس استنساخ هذا التاريخ استنساخاً لا يفصل بين نجد خير لا ينكره عاقل ووهد شر لا يخفى على أحد وما نرجوه، أن نكون إنسانيين في نظرتنا لمفهومي الحق والباطل بعيداً عن التفسير المذهبي الذي يختزل الحق في حدود مذهبه ويتهم الآخر بالباطل لمجرد أنه مخالف لنظرته المتعصبة التي فاتها أن تقرأ من أخلاق القرآن أن تعدل في ميزان حكمها حتى حين يكون الحكم بالعدل لمصلحة خصمها المختلف، ومن تربية القرآن وأخلاقه ألا نرتجل المواقف بإصدار الأحكام على الآخرين من دون بينة أو إثبات علمي بصريح قوله سبحانه: «ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً». وما من شك في أن حديث القرآن الكريم عن أمة خلت وكان لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت من شأنه أن يؤسس لجيلنا معنى أن يكون الحوار حوار حياة.. يقوم بمهمة النقد الذاتي بأمانة علمية تتجاوز قوالب التكفير والتخوين.. يبحث اليوم في معوقات الوحدة والنهوض التي أهملت لمصلحة الجدال الذي كان يجري بين «أنا» المتكلم و«هو» الغائب المحكوم عليه مسبقاً بالنفي والإقصاء.

print