اتخذت الحروب الامبريالية مساراً جديداً في العالم، وأصبح (المحافظون الجدد) ينسجون ذريعتهم اعتماداً على حجج واهية تناسب مصالحهم وتجارتهم. ولم يسبق أن عرف العالم سياسة معتدلة وسلمية لواشنطن وصقورها العدائيين، فمن الحروب التقليدية إلى حروب الوكالة وحروب الثورة الصناعية حتى الحرب التجارية واسعة النطاق ضد دول وشركات عالمية.
ومنذ بداية الحرب التجارية الأمريكية على الصين، أعلنت واشنطن عن عدة اتفاقات مع بكين التي اعتبرتها بكين بدورها مجحفة ولا تلبي حاجات سوق المستهلكين. فمن غير المعقول أن تفرض واشنطن امتلاك نسبة 51% من حصص الاستثمارات والشركات المشتركة بين الصين وأمريكا، مقابل امتيازات متواضعة للصين وشركائها.
وواصلت واشنطن فرض رسوم جمركية على البضائع والشركات الصينية، على الرغم من الاتفاق على إزالة التعريفات من كلا الجانبين. فهدد ترامب بتعريفات جمركية على واردات صينية قيمتها 300 مليار دولار، ووجوب نقل بكين التكنولوجيا من الشركات الأمريكية التي تمارس أعمالاً تجارية، وأن تشاركها في تطوير التكنولوجيا، لاسيما لأغراض التكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني.
وطالبت واشنطن بكين بوقف دعم الشركات المملوكة للدولة بقروض مخفضة الفائدة، والتي تضع الشركات متعددة الجنسيات في وضع غير تنافسي. وفي منتصف العام الماضي، عمق (المحافظون الجدد) نفوذهم وسيطرتهم على السياسة الخارجية لترامب، لاسيما بعد تولي جون بولتون مهامه، وإعطاء رفاقه المتشددين – إبراماز وميلر- أدواراً رئيسية، والمعروفون بميولهم العدوانية نحو الحروب.
وأقنع فريق (المحافظين الجدد) ترامب بضرورة اتخاذ موقف أكثر عدائية بالمفاوضات التجارية لكسب فوز أكبر، واتخاذ ذريعة الأمن القومي لتخويف المعارضين والحلفاء، وإجبارهم على تقديم المزيد من التنازلات.
وتتجسد الطبيعة العدائية للمتشددين الأمريكيين ليس فقط بمسار المفاوضات التجارية مع الصين، وإنما بانهيار المفاوضات مع كوريا الديمقراطية، والمتجذرة أيضاً في التدخل السافر في شؤون فنزويلا الداخلية، وتصاعد التهديدات العسكرية ضد إيران، وصولاً لفرض عقوبات أحادية على ألمانيا لشرائها الغاز الروسي بدلاً من الغاز الأمريكي باهظ الثمن.
واعتبرت الإدارة «الترامبية» المتشددة أن حرباً تجارية أعمق مع الصين، ستكون سياسة ناجحة محلياً، لاسيما وأن الاقتصاد الأمريكي مصاب بعلامات تباطؤ في الاستثمار التجاري والاستهلاك المنزلي، بعد الانخفاض الحاد في الواردات، والارتفاع في التضخم.
وأشارت بكين إلى المنافسة القوية في أمريكا بين فصيل (المحافظين الجدد) المهيمن على قرارات الإدارة، وفصيل رجال الأعمال والمصرفيين الأميركيين الذين سعوا لعقد اتفاق مع الصين بشروط معتدلة.
وتبقى السياسة الأمريكية المتطرفة مشبعة بقرارات (المحافظين الجدد) الإجرامية بحق العالم، وتبقى إعادة إحياء نداءات القومية الاقتصادية المتطرفة ذريعة واحدة للهروب من إخفاقات السياسة الخارجية والانهيار بسوق الاقتصاد والأسهم المالية، إلى جانب الأزمة الدستورية المتصاعدة بإصرار ترامب على الحكم لصالح مؤيديه بنسبة 35%، والذي ينذر بحالة غير سليمة، وقرارات تخبطية تؤثر على مجمل السياسة الدولية.

print