في تصعيد للحرب التجارية الموجهة ضد الصين قررت إدارة ترامب في العاشر من الشهر الجاري زيادة التعريفات الجمركية من 10% إلى 25% على ما قيمته 200 مليار دولار من الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة.

وكما يبدو، فقد فشل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدراك أن هذه القيود التجارية الموجهة ضد الصين تضر إلى حد كبير بالاقتصاد الأمريكي رغم أن هدفه المعلن هو تقليل العجز التجاري مع الصين.

وفشل أيضاً في التنبه إلى أن العجز التجاري مع الصين يسهم في دعم تجارة التجزئة الأمريكية، ويساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي .. بكلمات أخرى: العقوبات التجارية الموجهة ضد الصين سترد مباشرة سلباً على أمريكا، فالصين لا تعتمد على الواردات الأمريكية، لكن العكس صحيح، فاقتصاد أمريكا قائم على الاستيراد مع وجود قاعدة صناعية وتصنيعية ضعيفة تعتمد بشكل كبير على الواردات من الصين.

رداً على تهديدات واشنطن

لك أن تتخيل ماذا سيحدث إذا قررت الصين بين ليلة وضحاها الحد بشكل كبير من صادراتها من منتجات «صنع في الصين» إلى الولايات المتحدة رداً على تهديدات واشنطن! سيكون الأمر مدمراً بالتأكيد بحيث يعطل الاقتصاد الاستهلاكي، ويحدث فوضى اقتصادية ومالية في أمريكا .. أما كيف؟ .. فإليكم التفاصيل: إن منتجات «صنع في الصين» هي العمود الفقري لتجارة التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية الذي يدعم باعتياد استهلاك الأسر المعيشية ضمن جميع فئات السلع الأساسية تقريباً من الملابس والأحذية والالكترونيات ولعب الأطفال والمجوهرات والتجهيزات المنزلية والمواد الغذائية وأجهزة التلفزيون والهواتف المحمولة وغيرها .. وفي الواقع تصنع الصين 7 من كل 10 هواتف محمولة تباع في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن 12 ونصف مليار زوج من الأحذية (أكثر من 60 % من إجمالي الإنتاج العالمي) وتنتج أكثر من 90٪ من أجهزة الكمبيوتر في العالم و 45٪ من صناعة بناء السفن.

علاوة على ذلك، جزء كبير من البضائع المعروضة في مراكز التسوق الأمريكية، بما في ذلك العلامات التجارية الكبرى، تحمل شعار «صنع في الصين» الذي يهيمن أيضاً على إنتاج مجموعة كبيرة من المدخلات إلى القطاع الصناعي والآلات ومواد البناء والسيارات وقطع الغيار والإكسسوارات، ناهيك عن التعاقد من الباطن واسع الانتشار مع الشركات الصينية بدلاً من الشركات الأمريكية.

الصين هي أكبر شريك تجاري لأمريكا، ووفقاً لمصادر أمريكية، فقد بلغ إجمالي تجارة السلع والخدمات مع الصين 648.2 مليار دولار في عام 2016، وبلغ إجمالي صادرات الصين من السلع إلى الولايات المتحدة 462.8 مليار دولار.

الاستيراد يقود النمو

الاستيراد من الصين هو عملية مربحة بمليارات الدولارات، فهو مصدر للربح والثروة الهائلين في الولايات المتحدة، وذلك لأن الصادرات الصينية من السلع الاستهلاكية منخفضة التكلفة غالباً ما تباع في سوق التجزئة بأكثر من عشرة أضعاف سعر المصنع.

وباعتبار أن الولايات المتحدة لا تنتج سلعاً استهلاكية رخيصة مثل الصين، فقد تخلى المنتجون عن الإنتاج، لذلك فإن العجز التجاري الأمريكي مع الصين يعد عاملاً فعالاً في تغذية الاقتصاد الاستهلاكي المدفوع بالأرباح والذي يعتمد على السلع الاستهلاكية المصنوعة في الصين.

على سبيل المثال، تباع دزينة من القمصان المنتجة في الصين بسعر 36 دولار فوب (أي بدون تكلفة الشحن) (3 دولارات للقميص)، لكن بمجرد وصولها إلى مراكز التسوق، سيتم بيع كل قميص بسعر 30 دولاراً أو أكثر، أي حوالي عشرة أضعاف سعر المصنع، ما يحقق إيرادات ضخمة لموزعي وتجار الجملة والتجزئة، وتباعاً يجني غير المنتجين المقيمين في الولايات المتحدة فوائد إنتاج السلع منخفضة التكلفة في الصين.

إن استيراد السلع من الصين (بما يتجاوز قيمته 462 مليار دولار) يفضي من خلال التفاعل المتبادل بين هوامش ربح البيع بالجملة والتجزئة (التي تسهم في القيمة المضافة) يفضي إلى زيادة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي من دون الحاجة إلى إنتاج السلع ـ بدون الواردات الصينية، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سيكون أبطأ بكثير ـ  بكلمات أخرى: الاستيراد يقود النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، والشركات الأمريكية لم تعد بحاجة إلى الإنتاج، فهي تتعاقد من الباطن مع شريك صيني.

ولكن لماذا يحدث هذا؟ ببساطة لأن الصناعات التحويلية الأمريكية (في العديد من قطاعات الإنتاج) تم إغلاقها خلال الأربعين سنة الماضية ونقلها (من خلال التعاقد من الباطن) إلى مواقع العمالة الرخيصة في البلدان النامية.

ابتزاز اقتصادي

وفي الواقع، لا يرتبط الاقتصاد الصيني بالتجمع الصناعي فحسب، بل تشكل الصين بشكل متزايد منافساً ومصدراً رئيسياً في مجموعة متنوعة من قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. باختصار، هذا النوع من الابتزاز الاقتصادي الذي تمارسه إدارة ترامب ضد الصين لن ينجح.

يدرك صناع السياسة الصينيون تمام الإدراك أن الاقتصاد الأمريكي يعتمد اعتماداً كبيراً على منتجات «صنع في الصين»، ومع وجود سوق داخلية تضم أكثر من 1.4 مليار شخص، مقرونة بسوق تصدير عالمية، فإن هذه التهديدات المبطنة من قبل الرئيس ترامب لن تؤخذ على محمل الجد في بكين.

♦ عن موقع «غلوبال ريسيرش»

طباعة
عدد القراءات: 1