رمضان من أفضل الشهور عند الله وأكثرها بركة وأزكاها، وقد خصه الباري سبحانه وتعالى بميزات ليست في غيره، منها أن من يؤدي سنة من سنن الرسول فيه كمن يؤدي فريضة فرضها الله فيما سواه فالثواب مضاعف في رمضان عن غيره من الشهور والأيام.
ولقد جرت العادة أن الناس يخرجون مايستحق عليهم من زكاة أموالهم في هذا الشهر الكريم طمعاً في ثواب أكبر وأجر مضاعف، وهي عادة محمودة ستحقق لصاحبها، إن أخلص النية لله، ما يرتجي وما يرغب.
والحق أن ثمة أمرين يمكن التحدث عنهما وتبيينهما وتوضيحهما أولهما: أن ضيق العيش اتسع وزاد في هذا العام عن غيره من الأعوام، وأن غلاء المعيشة وصل أرقاماً لم يصلها من قبل ما وسع دائرة الفقراء والمحتاجين من جهة، وتالياً زاد حاجاتهم من المصاريف والمستحقات التي تضمن لهم عيشاً في حدوده الدنيا وطعاماً وشراباً يسد الرمق ليس أكثر، الأمر الذي يستوجب زيادة في السخاء وزيادة في العطاء من قبل ليس فقط من أنعم الله عليهم بخيراته وبركاته ولكن من قبل الذين يستطيعون العيش بشيء من الراحة في الحياة المعيشية أيضاً.
أما الأمر الثاني فهو أن الله وعد الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاته بالجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك في غير آية من آيات القرآن الكريم يقول تعالى: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا» الإنسان- ويقول أيضاً:« الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون» البقرة- وقال عز شأنه: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين»آل عمران.
ومثلما وعد الله المنفقين على الفقراء بالنعيم الدائم في الآخرة وعدهم بالبركة في أموالهم وزيادتها ومضاعفتها في الدنيا، وهذا معنى قوله تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» البقرة- وأيضاً هذا معنى قوله عز شأنه: «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون» البقرة.
ويقول فضيلة الشيخ محمود الكركور إمام وخطيب جامع معردس الكبير في حماة: (لقد جاء في الخبر أنه لما نزلت: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله……….» قال صلى الله عليه وسلم: «رب زد أمتي» فنزلت: «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً……..» فالذي- والكلام للشيخ محمود- ينفق نفقة طيبة يزكي بها نفسه من مال حلال ينمي الله ماله في الدنيا ويمنحه في الآخرة الثواب مراراً كثيرة.
وعن هذا المعنى يقول الرسول الكريم محمد (ص): «مانقص مال من صدقة بل يزيد بل يزيد بل يزيد». لذلك حري بمن يستطيع الاستغناء ولو عن بضع عشرات من الليرات أن يسارع إلى دفعها لمحتاج من أقاربه أو في حيه أو بلده ولا يراوده الخجل ولا يخطر في باله لقلة ما يستطيع الاستغناء عنه فلربما ليرات قليلات أخلص صاحبها العطاء لوجهه الكريم تسبق آلاف وآلاف الليرات التي أريد بها منّاً ومباهاة واستكباراً ورياء.
لذلك فإن ليرات قليلات ربما يسبقن في ثوابهن وأجرهن آلاف وآلاف التي أريد بها مناً ومباهاة واستكباراً ورياء يقول عز شأنه: «يا أيها الذين أمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى» البقرة- ويقول أيضاً: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم» البقرة- وجاء في الأثر: (رب درهم سبق ألف درهم) والدرهم يساوي ثلاثة غرامات فضة، أما الألف درهم فتساوي ثلاثة كيلو غرامات فضة، وكل ذلك مرتبط بالمقدرة على البذل والعطاء وبالإخلاص أيضا، ومثلما طالب الشارع العظيم المزكي أو المتصدق بألا يمنن ولا يؤذي، طالبه أيضاً بالإنفاق من أطايب ماله وأجود رزقه وثمره وليس أردأه وأخسه، وهذا معنى قوله تعالى: «ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد».
ومرد ذلك في الحالتين: قدم المن والأذى في الحالة الأولى والإنفاق من أطايب الرزق في الحالة الثانية لتعلم أيها المزكي والمتصدق أنك تعطي من أجل الله وحده وفي سبيل مرضاته والله لا يليق بقدره وجلاله لا هذه ولا تلك هذا من جهة، ومن جهة ثانية حفاظاً على كرامة المتصدق عليه وصوناً لخاطره من أي سوء قد يشوبه ومن أي أدنى خجل قد يعكر نفسه ويشعره بالدونية والانتقاص.
ولقد ورد في الحديث الشريف أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:رجل تصدق بصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
وهنا نسأل: ألا يرضيك أيها الإنسان كل هذه الميزات عند الباري سبحانه وتعالى بإطعام فقير بائس جائع؟ ماذا ستأخذ معك إلى القبر أيها الغني سوى عمل الخير وبر الفقراء والمحتاجين.
وإذا كنت أيها الإنسان لا يهمك كل ذلك ولا تحسب له حساباً واستبدَّ بك حب المال وشغلتك الدنيا عن الآخرة أليس عندك نبضاً إنسانياً يحرك فيك عروق البذل والعطاء على أخ لك في الإنسانية يحار من أين سيؤمن لأطفاله طعاماً يقيهم الجوع ويسد رمقهم بعد نهار من الصيام طويل؟ احسب أنك أنت المحتاج لتعلم مرارة الحاجة واحسب أن أطفالك الجائعين لتتذوق شيئاً يسيراً من حنظل الجوع واحسب أنك أنت الفقير لعلك تشعر بقسوة الفقر وبؤسه ومرارته، وما أدراك لعل دعوة مخلصة من إنسان جائع أطعمته تفتح عليك أبواباً من الرزق تنعم به أجيالاً من ذريتك من بعدك..
يضيف فضيلة الشيخ الكركور من معاني هذه الآية: «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون» البقرة- أي فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة (ولا هم يحزنون) على ما خلفوه من الأموال والأولاد لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.

print