عندما قيل «الشعر ديوان العرب» لم يكن يُقصد بالديوان مجموعة القصائد المضمومة في كتاب، بل هي أقرب من حيث القصد، لديوان أي مؤسسة فيه الصادر والوارد، أي إن كل ما صدر وورد عن العرب هو في الشعر والشعر فقط، قد يكون هذا التفسير متطرفاً كالذي عنونه القصيمي في كتابه «العرب ظاهرة صوتية»، أو ربما كان القصد من القول: إن في الشعر ما صدر عن العرب وما ورد إليهم وهذا قد يكون أقل تطرفاً وأكثر إنصافاً.
ربما لأن الشعر حمل من حرية القول أكثر مما حمله التاريخ بقليل، فحفظ من خلال هذا القليل أكثر مما حفظه التاريخ، أو لأن الشعر كان للجميع أكثر مما كان عليه التاريخ الذي بقي في يد «الأقوياء»!، أو لأن الشعر كان قريباً من الناس، ولا يتطلب إلزاماً أو التزاماً.
تتعدد الأسباب التي جعلت من الشعر ديواناً، هذه الأسباب التي تخلى عنها الشعر طوعاً أو كرهاً ليتخلى لاحقاً عن كونه ديواناً، لكن الناس لم يُتركوا من دون ديوان لذلك هناك من قال «الرواية ديوانهم»، ولعله سعى لذلك أو عمل عليه، لكن ما قدمته الرواية من هذه الناحية بقي متواضعاً وأقل مما قدمه الشعر –أيام عزه-، هذا إذا كانت الرواية قد عاشت زمناً ازدهرت فيه طباعةً ونشراً والأهم «قراءةً» ومتابعة.
يبقى كذلك أن القيود التي فرضت على الشعر، فرضت كذلك على الرواية ولعل «اقتراف» التوثيق هو ما يلازم كل فعل كتابي، (حتى الكتابة الصحفية)، ما يجعل الفعل الكتابي غير قابل أو قادر على أن يؤدي دور الديوان أو أن يكون شاهداً على حياة الناس، للناس، قبل أن يكون للتاريخ.
الكتابة الدرامية قد تلعب دوراً بعد أن تُصور، دوراً يتسع ليصل إلى ألا تحفظ الأحداث وتأثيرها على مختلف شرائح البشر فقط ، بل حتى ثيابهم ومظاهرهم، طريقة لبسهم، موضات الحلاقة، أغانيهم، ديكورات المنازل والأثاث، تنوع الإضاءة وغيرها من التفاصيل التي لا يمكن أن تُلحظ في الوصف مهما تطرفت الكتابة في المدرسة الوصفية الفرنسية مثلاً، وبهذا تكون الدراما هي الديوان، ليس للعرب وحدهم بل للعالم أجمع.

print