من القصص القرآنية الجامعة قصة ذي القرنين الذي جمع شخصية الحاكم العادل والعالم العامل، إلى جانب ورعه وتقواه وخوفه من الله تعالى، وحثه على نشر قيم العدالة بين الناس ومن هم في حدود مملكته، ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، وتفقده أحوال الرعية في المشرق والمغرب، وتحمله أعباء السفر ومشاقه ليخدم الناس ويتفقد أحوالهم ويبث فيهم روح العمل وحبه ليسيروا حياتهم على أحسن وجه؛ كل ذلك دليل على اهتمامه وحرصه الشديد على هداية الناس.
إن بداية الآية تبين لنا أن قصة «ذي القرنين» كانت متداولة ومعروفة بين الناس، ولكنها كانت محوطة بالغموض والإبهام، لهذا السبب طالبوا الرسول الأكرم (ص) بالإدلاء حولها بالتوضيحات اللازمة، وفي استئناف الحديث عن «ذي القرنين» يقول الله تعالى: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ . أي منحناه سبل القوة والقدرة والحكم.
وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً {84} فَأَتْبَعَ سَبَباً {85} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ .
(حمئة) تعني في الأصل الطين الأسود ذا الرائحة الكريهة، أو الماء الآسن الموجود في المستنقعات، وهذا الوصف يبين لنا أن الأرض التي بلغها «ذو القرنين» كانت مملوءة بالمستنقعات، بشكل كان «ذو القرنين» يشعر معه بأن الشمس كانت تغرب في هذه المستنقعات، تماماً كما يشعر بذلك مسافر البحر، وسكان السواحل الذين يشعرون بأن الشمس قد غابت في البحر أو خرجت منه!. وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً أي مجموعة من الناس فيهم الصالح والطالح، هؤلاء القوم هم الذين خاطب الله «ذا القرنين» في شأنهم: قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (1).
بعد ذلك يحكي القرآن جواب «ذي القرنين» الذي قال: « قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً ». أي إن الظالمين سينالون العذاب الدنيوي والأخروي معاً.
« وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى … وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً » .
أي أننا سنتعامل معه بالقول الحسن، فضلاً عن أننا سنخفف عنه ولا نجعله يواجه المشكلات والصعاب.
وعندما انتهى «ذو القرنين» من سفره إلى الغرب توجه إلى الشرق حيث يقول القرآن في ذلك: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً أي استخدم الوسائل والإمكانات التي كانت في حوزته.
« حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ . وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً » . وفي اللفظ كناية عن أن حياة هؤلاء الناس بدائية جدا .
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً (3). هكذا كانت أعمال «ذي القرنين» ونحن نعلم جيداً بإمكاناته.
كيف تم بناء سد «ذي القرنين»؟
القرآن الكريم يشير إلى سفرة أخرى من أسفار «ذي القرنين» حيث يقول: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً . أي بعد هذه الحادثة استفاد من الوسائل المهمة التي كانت تحت تصرفه ومضى في سفره حتى وصل إلى موضع بين جبلين: حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً .
إشارة إلى أنه وصل إلى منطقة جبلية، وهناك وجد أناساً (غير المجموعتين اللتين عثر عليهما في الشرق والغرب) كانوا على مستوى دانٍ من المدنية، لأن الكلام إحدى أوضح علائم التمدن لدى البشر.
في هذه الأثناء اغتنم هؤلاء القوم مجيء «ذي القرنين»، لأنهم كانوا في عذاب شديد من قبل أعدائهم يأجوج ومأجوج، لذا فقد طلبوا العون منه قائلين: « قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً » .
يمكن أن نستفيد أن تلك المجموعة من الناس كانت ذات وضع جيد من حيث الإمكانات الاقتصادية، لكنهم كانوا ضعفاء في المجال الصناعي والفكري والتخطيطي، لذا فقد قبلوا بتكاليف بناء هذا السد المهم، شرط أن يتكفل «ذو القرنين» بناءه وهندسته.لكن ذو القرنين لم يأخذ منهم مالاً وقال ماأتاني ربي خيراً من مالكم.
بعد ذلك «ذو القرنين» فقال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ .وعندما تهيأت قطع الحديد أعطى أمراً بوضع بعضها فوق البعض الآخر حتى غطّي بين الجبلين بشكل كامل: حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ .
الأمر الثالث لذي القرنين هو طلبه منهم أن يجلبوا الحطب وما شابهه، ووضعه على جانبي هذا السد، وأشعل النار فيه ثم أمرهم بالنفخ فيه حتى احمرَّ الحديد من شدة النار: قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً .
أخيراً أصدر لهم الأمر الأخير فقال: اجلبوا لي النحاس المذاب حتى أضعه فوق هذا السد: قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً .
وبهذا الشكل قام بتغطية هذا السد الحديدي بطبقة النحاس حتى لا ينفذ فيه الهواء ويحفظ من التآكل.
ومن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم إثبات العلماء اليوم أنه عند إضافة مقدار من النحاس إلى الحديد فإن ذلك سيزيد من مقدار مقاومته، ولأن «ذا القرنين» كان عالماً بهذه الحقيقة فقد أقدم على تنفيذه.
وأخيراً، أصبح هذا السد بقدر من القوة والإحكام بحيث: فَمَا اسْتطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً .
لقد كان عمل «ذي القرنين» عظيماً ومهماً، وكان له وفقاً لمنطق المستكبرين ونهجهم أن يتباهى به أو يمن به، لكنه قال بأدب كامل: قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي لأن أخلاقه كانت أخلاقاً إلهية.
إنه أراد أن يقول: إذا كنت أملك العلم والمعرفة وأستطيع بوساطتهما أن أخطو خطوات مهمة، فإن كل ذلك إنما كان من قبل الخالق جلّ وعلا، وإذا كنت أملك قابلية الكلام والحديث المؤثر فذلك أيضاً من الخالق جلّ وعلا. ثم استطرد قائلاً: لا تظنوا أن هذا السد سيكون أبدياً وخالداً: فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء . وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً (6). لقد أشار «ذو القرنين» في كلامه هذا إلى قضية فناء الدنيا وتحطم هيكل نظام الوجود فيها عند البعث. يعلمنا «ذو القرنين» في معرض قصته التي أوردها الله تعالى في القرآن الكريم جواز استحباب السؤال والاستفسار عن المجهول ولا حكم إلا بقانون، ولا يجوز بمجرد الشك أو الانتقام فيحكم بهوى النفس. والتمكين لا يأتي بمجرد العلم والادعاء بالخير والإصلاح؛ بل لا بد من ابتلاء وامتحان يختبر فيها صدق الإيمان ، وقد يطول هذا الابتلاء. الاهتمام بجميع جوانب الحياة كان على رأس أولويات ذي القرنين (المعيشية والاجتماعية….). وضع دعائم الصناعة التي بها تتقدم الأمم وتزدهر، والتحلي بالسمعة الطيبة والاحترام الجميل بين الناس، دليل على الثقة المتبادلة و ربط الأعمال بمشيئة الله سبحانه وتعالى ( فإذا جاء وعد ربي……). وأن ميلاد الحضارات لا يأتي بين عشية وضحاها؛ إلا بالصبر والتحمل واتخاذ الأسباب عندها يأتي التمكين، وينبثق ميلاد فجر حضارة جديدة.

print