قديماً قال النقاد: الشاعر جرير ينضح من بحر والشاعر الفرزدق ينحت في الصخر،
والحق أن كتابة القصيدة شغلت المهتمين بالحقل الثقافي، ولاتزال، ويكاد يجمع جميع الشعراء من ينضح منهم من بحر ومن ينحت منهم في الصخر، من استسهل الشعر ومن استصعبه، من اتخذه صنعة ومن قدر عليه إلهاماً، أن ساعة كتابة القصيدة ليست كغيرها من الساعات، وأيام كتابتها ليست كغيرها من الأيام.
فالفرزدق مثلاً كان أثناء كتابة القصيدة، وحين يستعصي عليه المعنى، يفترش الأرض ثم يتقلب يمنة ويسرة شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً حتى يأتيه المعنى..
والشاعر اللبناني جوزيف حرب يشبه لحظات ولادة القصيدة بالذي يقف أمام المرآة ليحلق ذقنه حيث يتحرك حركات بهلوانية يستحي ويخجل منها في اللحظات العادية…
والشاعر الكبير نزار قباني يعد الشعر إلهاماً، وإلا مامعنى قوله: ليس القصيدة ماكتبت يدي
لكنها ما تكتب الأهداب
وفي هذه المقالة سوف نتوقف مع حادثتين لشاعرين كبيرين يؤكدان هذه الحالة، أي أن الشعر إلهام وليس اصطناعاً يتحكم بالشاع ولايتحكم الشاعر به:
القصة الأولى حدثت مع الشاعر بدوي الجبل حيث يقول الناقد أكرم زعيتر مقدم ديوانه ماحرفيته: لي مع الشاعر تجارب تدل على أنه لايصطنع الشعر اصطناعاً، ولايملك أن يقول الشعر ساعة يشاء، وأن الشعر هو الذي يمتلك الشاعر، وقد يمضي وقت طويل لاينظم فيه بيتاً وقد يرسل ثلاث قصائد في شهر واحد..
وإذا سألته لمَ؟ قال : «الإرادة بنت العقل، والشعر ترجمان القلب… إذا لم يجئني الشعر عفواً تعذر علي استحضاره اقتساراً».
ويتابع زعيتر:«في خريف سنة 1940 وقداحتل الألمان باريس قرر نادي المثنى في بغداد الاحتفال في التاسع من شعبان بذكرى الثورة العربية، ورجوت البدوي أن يكون شاعر الاحتفال فاعتذر فألححت بالرجاء فأصر على الاعتذار فهامست نفسي:«لابد من إثارة عاطفية تحل عقدة من لسان الشاعر وانطلقت أتحدث: فرنسا التي نكلت بسورية. . فرطت باسكندرونة.. دمرت دمشق.. أنت هنا مشرد تترشف رزقك مدرساً، وأبوك الشيخ الجليل يتحرق لوعة ألا يراك.. إخوانك يوسف العظمة، رشيد طليع، أحمد مريود ضحاياها.. الجزائر.. المغرب.. تونس.. مافعلت فيها؟ يالله هل كنا نحلم أن يمتد بنا العمر فنراها تذوق ما أذاقتنا؟
ثم يتابع زعيتر:«وعلى هذه الوتيرة استرسلت متأثراً إلى أن برقت عيناه وبريق عينيه صدى نبضات فؤاده، ودمعت عيناه ودموع البدوي مطالع القصيدة أوهي كلماتها النيرة، ورشح جبينه بالعرق وانصرف يهمهم وأرق تلك الليلة وغاب يومين وفي اليوم الموعود شخصت أبصار الحشد في النادي إلى البدوي وأرهفت الآذان.. فانطلق:
ياسامر الحي هل تعنيك شكوانا
رقَّ الحديد ومارقوا لبلوانا
خلِّ العتاب دموعاً لاغناء بها
وعاتب القوم أشلاء ونيرانا
وهي قصيدة طويلة يبلغ عدد أبياتها ثلاثة وستين بيتاً.
هذه هي القصة الأولى، أما القصة الثانية فحدثني بها الشاعر وجيه البارودي منذ عام 1991 قائلاً: في عام 1979 أقيم لي حفل تكريمي باعتباري شاعر حماة وطبيبها، وقبل الحفل بأسبوع طُلب مني أن ألقي قصيدة بهذه المناسبة فاعتذرت، ثم طُلب مني واعتذرت، وقبل الحفل بيومين كنت في اللاذقية مع صديق لي وفي العودة أخذت غفوة في السيارة مدة خمس دقائق ثم صحوت فطلبت من صاحبي أن يوقف السيارة على يمين الطريق ويكتب القصيدة قبل أن أنساها ومطلعها
عانيت في مطلع العشرين منفرداً
حرباً على الجهل ماانفكت تهددني
أرمي صواريخ من نقد إذا انفجرت
تصبُّ نيرانها في بؤرة العفن
لا.. لا وربك ماأذيت مفترياً
ولاحجبت الهوى عمن يناوغني
وكنت من فرط إشفاقي وبي ألمٌ
بالورد أرشق من بالنار يرشقني
ثم يتابع الدكتور وجيه :»أمليت على صاحبي ستة وخمسين بيتاً لم أغير فيها حرفاً واحداً… !!
أخيراً، يمكن القول: إن القصيدة لابد من أن تعيش في خوالج صاحبها وتتفاعل في نفسه قبل مراحلها الأخيرة وعندما تأتي اللحظة المواتية لابد من أن تشهد عملية المخاض والولادة، ويتم تفريغها على الورق لترى النور وتنبثق في طور الحياة، وهذه اللحظة هي ماتسمى لحظة الإلهام والوحي إن صح التعبير.

print