ت: صالح علوان
تدور أحداث «شوكة في الحلق» لكاتبها نصر محسن، زمنياً، خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان وتصدي المقاومة له وانتصارها، وتروي قصة فنان تشكيلي «بشير عبدالله» أو سلفادور العربي كما لقبه أستاذه الدكتور حميد عارف عندما كان طالباً في كلية الفنون الجميلة، يسكن في مدينة ساحلية في قبو اشتراه بالتقسيط وبمساعدة الأصدقاء.
في السرد
سلفادور فنان حائز جائزة كبيرة وشاهد على انتصار المقاومة، أحب اللبنانية ميساء النوري وتزوجها سرّاً، لكنّه لم يلتزم بمسؤولياته تجاهها، ورفض الزّواج الرسمي منها وعندما طلبت منه الطلاق أجابها بأنّه لايستطيع أن يطلق روحه، لكنه لايلبث أن يتركها ويلجأ إلى مرفأ أمان جديد هو سماح القاضي الصحفية التي لم تلبث طويلاً حتى تكتشف أنه بعلاقته بها ينتقم من حبيبته الأولى.
«شوكة في الحلق» كانت موضوع الندوة النقدية التي أقامها فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب، بحضور الكاتب وبمشاركة نقاد وروائيين لهم دورهم الإداري أيضاً في اتحاد الكتاب العرب والهيئة العامة السورية للكتاب، عنوان تمنّى الروائي أيمن الحسن لو كان «شوكة في القلب» لا في الحلق ليكون فيه شيء من الرومانسية لا المباشرة، منوّهاً بالحضور العربي في هذه الرواية، فإضافة إلى سلفادور السوري هناك ميساء بنت جبيل والتونسي منصف بوعمة اللاجئ السياسي الهارب من الظلم، ومحجوب الفلسطيني الذي يحيا حياة مهمشة يقضيها في نادي الصحفيين على حساب الأصدقاء، وجميعهم مهزومون ولكل منهم هزيمته الخاصة… نماذج مختلفة للمثقف العربي بهزيمته وانكساره وتمرده وإحباطه، يقول الناقد عماد فياض: تغري الرواية باستكشاف صورة المثقف العربي، هذه الصورة المقدمة بلغة إشارية رشيقة وسريعة، لغة تحتية سرّانية تشي وتشف، لغة تعرّي الذات والواقع بلا تنظير أو استطالات، وبالتركيز على شخصية سلفادور الذي لم يأخذ من سلفادور دالي سوى الاسم، وهو لايشبه روحه المغامرة والمتمردة والقاسية، إنّه مستلب غير قادر على اتخاذ القرار، ويبدو منقاداً يتفرج على الأحداث ويراقبها، ليس له أي دور فاعل أو رأي صريح، فهو مسكون بالخوف، إنه مثقف يعيش حياة بسيطة مما تدره عليه لوحاته، لكن هاجس البحث عن عمل يدر عليه المال يراوده دائماً، ولاسيما بعد كشفه حالات الثراء الحاصلة في المدينة، مايشير إلى رغباته المكبوتة بالثّراء، وهذا يمثل شخصية المثقف العربي أصدق تمثيل، يريد وجاهة اليسار الفكري وترف اليمين لكنه لايستطيع البوح بذلك لأنه يريد أن يبقى مخلصاً لأفكاره وكتبه، وملتصقاً بالفقراء وهذه الإدانة الأولى لشخصية المثقف، وتتكرر الإدانات عندما لم يستطع رسم لوحة تجسّد نضال ومأساة الدكتور حميد، وفي هذا دليل على جبنه وعجزه عن اتخاذ موقف علني، أما الإدانة الأخرى فنراها في موقفه المتفرج لغزو العراق وحرب تموز، لم يتطوع للقتال ولم يشارك في أي جهد لدعم المقاومة، ومن صور إدانة المثقف العربي نجدها في علاقة سلفادور بالمرأة وانهزامه أمامها مايشكل جرحاً مفتوحاً، مضيفاً: في النهاية نكتشف أن مسؤولية هزيمة المثقف مزدوجة؛ أي ذاتية وموضوعية، بالتأكيد يتحمل المثقف الجزء الأكبر منها لكن الروافع الاجتماعية والسياسية البائسة والمتخلفة لها دور مهم في هزيمة المثقف، وهذا واحد من أهم الأسئلة التي طرحتها الرواية.
في التفاصيل
لكن، هل يمكن لهذا المثقف المهزوم أن يغير العالم؟ يبين الناقد عاطف بطرس: الرواية لاتتحدث عن أزمة المثقف العربي فقط، بل عن أزمة المثقف في أي بلد في العالم، إنه محتج ورافض ويتطلّع إلى التغيير والتحويل، وكلّما أحرز خطوة انتقل إلى أخرى أفضل، في هذه الرواية وضعنا الكاتب أمام حالة شبه مستعصية، فالعالم أعوج وعلى المثقف تغييره وهذه المهمة تجعلنا سلفاً نشعر بشيء من الإحباط لأن المثقفين وحدهم لا يمكنهم تغيير العالم، هذه التوليفة معزولة عزلاً شبه تام عن الوسط الاجتماعي ومفاعيله، وجعلتنا نشعر بأن الأبطال ليسوا أكثر من جماعة متمردة رافضة محبطة.
قلق وتأزم لامسوغ لهما، كما يرى حسام خضور، مدير الترجمة في الهيئة العامة السورية للكتاب، يقول: هناك تأزم وقلق تعيشه الشخصية الرئيسة بالرغم من عدم وجود أحداث تثير القلق، لايوجد سوى حدث وحيد هو حرب تموز، فالرواية مجموعة أخبار عن مجموعة حيوات.
رأي المؤلف
يقدّم نصر محسن، حسب الروائي رياض طبرا، صوراً عن المثقف لكنه لم يقدم البديل، يضيف: ليست شوكة في حلق المثقف بل في حلق من هو ضد المقاومة، لعلّها المرة الأولى التي تقدم الأم بهذه الصورة القاسية الصارمة الفرعونية صاحبة القرار، الأم التي تخفي مشاعرها وعواطفها ولم تظهرها إلا في اللحظات الأخيرة، أي عندما قدّمت لابنها غرفة ليسكن فيها وطلبت منه أن يتزوج.
ويبحث بطرس في الناحية العمرانية لهذه الرواية، فيقول: يمكن أن نطلق عليها رواية الشخصية المركزية «سلفادور» وهناك شخصيات أخرى تدور في فلكها، أما من ناحية الزمن فلا نكاد نجد سيولة زمنية، إذ إن الكاتب ينتقل وفق تقطيع سردي وتفكيكي منسجم مع طبيعة الشخصيات المتصدعة من الداخل، أما من الناحية السردية فاعتمد الحوار والوصف، مع غلبة واضحة للوصف والمونولوجات، وبالنسبة للغة يمكن أن نطلق عليها تجاوزاً أنها بطل العمل وليس «سلفادور» فالكثافة في اللغة أمر ليس سهلاً.
ويتفق خضور مع بطرس على أنّ اللغة في هذه الرواية جميلة وشفافة، لكنّه يرى أن لغة الرواية تتطلب أشياء أكثر أغفلها الكاتب، يوضّح: بالرغم من الجهد اللغوي المبذول فإن الرواية تخلو من الوصف، وهناك إشارة إلى أماكن واضحة مثل نادي الصحفيين لكنها تمر كأخبار لا كأمكنة بحاجة للوصف لكي يتعرّف عليها القارئ، أيضاً الشرفات الدمشقية التي لم يذكرها باسمها المحلي «المشربيات»،ـ أشياء كهذه كانت جديرة بالوصف، إضافة إلى أن هناك شخصيات مثل العزيز والصقر كان يجب أن ترتبط بالمكان، فصقر بحّار لذا كان الأجدر أن يكون اسمه نورس، منبهاً إلى أنّ القراءة توفّر المتعة الفنية ومشككاً بالمتعة المعرفية.

طباعة

عدد القراءات: 3