روز اليوسف، أو فاطمة اليوسف، كما كان اسمها الحقيقي، من عائلة اليوسف من لبنان، وهي بلدة (جبران خليل جبران)، جاءت إلى الاسكندرية وهي طفلة كان عمرها 7سنوات، مات أبوها وهي صغيرة وجميلة، وتبنتها عائلة مسيحية من الجيران ، وغيّرت اسمها من فاطمة إلى روز، ولكن العائلة أرادت أن تهاجر إلى أمريكا فاصطحبت الطفلة معها، وعندما نزلوا من الباخرة في ضيافة صديق في الاسكندرية، عرف أن هذه الطفلة الجميلة يتيمة، وكان عنده فرقة مسرحية، طلب من صديقه أن يتركها ليرعاها هو، فتركوها فعلاً في الاسكندرية.
كانت تذهب وهي صغيرة إلى مسرح ، اسمه دار التمثيل العربي، تتفرج على المسرحيات وعلى أبطال هذه الحياة الغريبة التي تجري أمامها على المسرح، كانت مبهورة بالمناظر والأضواء الساطعة، وكانت أحياناً تترك الصالة أثناء العرض وتتسلل إلى الكواليس، رآها -وهي تائهة- أحد الممثلين واستبد بها الرعب وأجهشت بالبكاء، فدخل رجل آخر قصير رأت في عينيه طيبة وإنسانية، وعرفت أنه (عزيز عبيد) وأمسك بيدها وأخذها معه إلى مقهى صغير بجوار المسرح وطلب لها كوب شربات فارتاحت له ووجدت فيه حنان الأب الذي لم تعرفه، ترددت كثيراً على المسرح وحدثت قصة دفعت بها إلى خشبة المسرح، إذ رفضت إحدى الممثلات السوريات تمثيل دور الجدة، فعهد (عزيز عبيد) بدور الجدة إلى الطفلة الصغيرة، وترك (عزيز عبيد) المسرح مدة أسبوع لتدريب تلميذته الصغيرة، وأخد يعلمها كيف تنطق و تمشي كسيدة عجوز وكيف تتكلم مع أولادها وأحفادها بصوت ضعيف. وفوجئ (عزيز عبيد) بنجاحها في الدور الصعب، وهي أول مرة تقف على المسرح وسط عمالقة، واقتنع بأنها فنانة صادقة فأخذ يشتري لها الكتب لتقرأ، وأحضر لها شيخاً يعلمها ويعطيها دروساً في اللغة العربية ونجحت بسرعة وأصبحت من أشهر ممثلات المسرح بل سيدة المسرح الأول ولقبوها (بسارة برنار الشرق)، روز اليوسف لم تكن تحمل شهادة مدرسية ولا مؤهلاً علمياً، ولكنها ثقفت نفسها ثقافة عالية فتتحدث وتناقش في أي موضوع ولكن في الكتابة كانت ضعيفة وخطها رديء، وأصدرت مجلة روز اليوسف عام 1925 وكانت مجلة فنية ثم صارت سياسية وفي يدها خمسة جنيهات ولكنها كانت تمتاز بالصدق والإصرار، وعندما جاءتها فكرة إصدار مجلة وترك المسرح كانت تجلس مع أصدقائها (ابراهيم خليل، وأحمد حسن، ومحمود عزمي) في محل حلواني (كساب) ولكنهم دهشوا جميعاً من الفكرة , فحسبت حساب تكاليف إصدار المجلة ثم ذهبت إلى وزارة الداخلية وطلبت رخصة لإصدار مجلة. وهنا اتصلت، بمحمد الموجي الذي كان موظفاً في مجلس النواب، ويكتب نقداً فنياً لجريدة الأهرام، وكان من أول المحررين الذي ساعدها ومعه، إبراهيم خليل، كان يقطع عشرات الكيلو مترات على قدميه لجلب الاشتراكات والإعلانات، وكان التابعي يجلس في مطبعة البلاغ يسلم ويستلم البروفات، كتب كبار الكتاب والشعراء في المجلة بغير أجر، كان التابعي يكتب باباً اسمه (طورلي) وكانت المجلة تصدر على ورق الجرائد، و سعرها خمسة قروش، وعندما هبط توزيع المجلة فكرت في تحويلها إلى مجلة سياسية، وذهبت إلى الداخلية وبصعوبة حصلت على التصريح، وتحول التابعي من الكتابة الفنية إلى الكتابة السياسية، وكانت مجلة روز اليوسف مستقلة سياسية لا يساندها حزب ولا يمولها حاكم، وعندما طلبت من العقاد الكتابة في مجلتها رفض لأنها« مجلة صاحبتها واحدة ست»، وعندما رفعت راتبه من 50 جنيهاً إلى 70 وافق.
جذب نجاح المجلة شباب الصحفيين مثل (مصطفى أمين وعلي أمين وجلال الدين الحماصي وكامل الشناوي، ويوسف حلمي، وطالب السطب، ود. سعيد عبدة، ومن الرسامين سانتيز، وصاروخان، ورجا وعبد السميع، وجورج البهجوري، وصلاح جاهين) وغيرهم لأنها مجلة تعتمد على الكاريكاتير، وفي مناسبة فنية اعتاد النادي الأهلي تنظيمها كل عام، وفي عام 1917 اشترك محمد عبد القدوس، في الاحتفالات بإلقاء المنولوج الذي كان هوايته المحببة، كما اشتركت روز اليوسف بمسرحية وكان هذا هو اللقاء الأول بينهما، وفي خطاب من الخطابات التي احتفظ بها (إحسان عبد القدوس) في رسالة تعزية في وفاة (روز اليوسف) من محمود رمزي، ويقول له: إنه على صلة وثيقة بوالده محمد عبد القدوس وبوالدته، رآها للمرة الأولى عام 1917 في شبين الكرم، ويقال: إن محمد عبد القدوس قد تزوج من روز اليوسف بحضور عزيز عبيد، أما زواجها الثاني فكان من المسرحي الكبير زكي طليمات، التي أنجبت منه آمال زكي طليمات، والزواج الثالث كان من الصحفي قاسم أمين، الذي عمل في مجلة روز اليوسف وتزوجها عام 1939 ولم تنجب منه وتوفيت وهي زوجته وطلب قبل وفاتها دفنها في مقابر قسام أمين بجوار حماتها. ومما تجدر الإشارة أن هناك وسائل متبادلة بين روز اليوسف وإحسان عبد القدوس حول أمور تهم المجلة, والحب المتبادل بينهما يتعدى أي حب بين أم وابنها، وفي إحدى رسائلها إلى ولدها إحسان عبد القدوس.
(يا أعز من روحي وصلني خطابك، كل ما أرجوه لك يا ولدي صحة ونشاطاً وصبراً وسعادة وعمراً طويلاً إن شاء الله، فحافظ على صحتك وتعود على الصبر تكن سعيداً، وتنل ما ترجوه وما أرجوه لك من تقدم، أقبلك يا ولدي وأرجو لك رحلة موفقة وعوداً حميداً لك حبي وقبلاتي)، وعندما سمع إحسان عبد القدوس بوفاة أمه روز اليوسف وهو خارج مصر، ألقى بنفسه على الأرض وظل شهوراً طويلة يعيش حالة اكتئاب دائم، وهو يردد (ماتت أمي لكن بأي شيء أرثيها فأنا كالتائه في أرض الغربة). رحم الله روز اليوسف التي أعطت كل حياتها للفن والإبداع الصحفي في ذلك الزمن الجميل الذي ولد فيه جيل العطاء، وجيل الكلمة المبدعة في مصر والوطن العربي الكبير.

print