وصلت بالسيارة (المستعارة من صديق) إلى منعطف ذي إشارات مرور، وكنت على ثقة بأن إشارة العبور خضراء، وقد انعطفتُ بهدوء، وسمعت صوت صافرة، أدركت أنها لي، فتوقفت، وبحثت عن شرطي المرور، فلم أره.. وما رأيته هو دراجة نارية بيضاء، وبجانبها رجل يرتدي ثياباً بيضاء، وقبعة قماشية زرقاء.. سار الرجل بضع خطوات نحوي، وقال لي بحزم: «صفْ» على اليمين وأعطني أوراق السيارة!.. أجبته: «حاضر… ولكن حضرتك تبدو لي كأنك طبيب»!… فسوّى صدريته، ونفخ صدره قليلاً، وأجاب: «نعم.. أنا طبيب جراح متبرع لإجراء عمليات جراحية لمرضى خارقي القوانين… أعطني الأوراق، ولا تتفلسف كثيراً»…. وقلت له بجرأة، بعد أن تأكدت أنه لا يحمل مشرط عمليات: «على فرض أنك طبيب جراح، وعلى فرض أنك يا(دكتور)، أغلقت عيادتك لقلة مرضاك فهذا لا يسوغ إيقافي، فأنا مواطن صالح، أحفظ قوانين السير، ولجان حماية المستهلك، وأمشي (الحيط.. الحيط، وأنا مصرٌّ على أني عبرت على الإشارة الخضراء!… حرك رأسه، وقال: «حضرتك، يا مواطن (الحيط الحيط)، يا محترم، تكذِّب طبيباً جرّاحاً يحمل شهادة، وقد أديت قَسَم (أبوقراط)، وٍبالمختصر.. إما أن تظهر لي (كرت الميكانيك)، أو أحجز السيارة!»… ومضيت أبحث في علبة السيارة عن الأوراق، ولم أجد ذلك (الكرت الثمين)…
عدت، ولكن بمعنويات أعلى، وقلت: يا دكتور.. السيارة ليست سيارتي… لقد استعرتها من صديق قد يكون نسي (كرت الميكانيك) في جيبه، وبيته قريب من هنا، وأنا أعمل (كيت وكات) وهذه بطاقتي…
قرأ البطاقة المهنية، وتراجع نصف خطوة إلى الوراء.. وقال: لقد عفوت عنك.. أنتم أصحاب (الكيت كات بتخوفو)، لكن صاحبك الذي أعارك السيارة هو المحتاج إلى عملية.. خذ السيارة، وامضِ إلى صاحبك، وأرسله لكي أوبخه على إهماله، ولا تعد أنت معه!… وهنا تنفست الصعداء.. وتركت شهادة السواقة، وهويتي المهنية مع الدكتور.. ونفذت الطلب… عاد صديقي بالسيارة وهو مبتسم لأن الدكتور الجراح أخذ (أجرة) معاينة، ولم يطلب تكاليف عملية جراحية لجيبه، وتكاليف المستشفى… وقال ضاحكاً: «الحمد لله لأنه لم يطلب مني البطاقة الذكية!.. و(كتَّر) خيره، وخير وزير الصحة على أطباء متبرعين كهؤلاء»…

طباعة

عدد القراءات: 1