دهشت أثناء متابعـة الأخبار عـلى شاشة التلفاز لسماع أنّ وزير الاقتصاد (في دولة مجاورة) دهش– مثلي– لمَّا عـرف – من وزير الاقتصاد الصيني- أنّ مستوردات بلده من هناك تزيد عـلى 3 مليارات $؛ بينما المسجل في قيوده الرسمية في الجمارك ما يقارب مليار $ فقط!!!
وفتح ملف الجمارك هناك؛ وموضوع التهرب الجمركي؛ ومايضيع عـلى ميزانية الدولة من مئات ملايين $ في هذا البند فقط؛ بسبب التسيب والإهمال والفساد…
منذ وُجد البشر، نشأت تعليمات لنقل السلع والبضائع بين بلد وآخر، وكان المشرف على تطبيق هذه الأنظمة جهازاً يدعى الجمارك، وهو بالتعريف سلطة في البلد لضبط تدفق البضائع لبلد ما.
وتبعاً للتشريعات المحلية فبعض الأصناف يتم منعها، وتقوم بالتنفيذ وحدات الجمرك، وتُفرض رسوم على أصناف أخرى تتفاوت وفقاً للسياسات الاقتصادية، وهذه الرسوم Customs duty تدعى Tariff مأخوذة من كلمة (تعريفة) العربية.
هناك مساران في المطارات ذات الرحلات الدولية: الأحمر لمن يرغب بالإعلان عن مواد ذات طبيعة خاصة، أو مخالفة، والأخضر لمن لا يحمل شيئاً، ومن يضبط بمخالفة ضمن المسار الأخضر يغرّم مع مخالفة، وقد ابتدع الاتحاد الأوروبي EU مساراً أزرق لمواطنيه (حيث لا توجد رسوم بين بلدانه المختلفة).
من المعروف أنّ الجمارك هيئة حكومية، ولكن الطريف أنه في بعض الدول – ومنعاً للفساد – بدأت خصخصة جزئية للجمارك…
التهرّب الجمركي بالتعـريف هو أن تدخل بضائع للبلد ما تهريباً من خارج الثغور الجمركية؛ أو عـبرها (لكن بتعـرفة غـير سليمة) ما يضيـّع عـلى خزينة الدولة إيرادات؛ لتحسين المشافي والمدارس والطرقات.
في العصور الماضية سادت سياسات الحماية للمنتجات المحلية والسلع الوطنية، ما حدا بالمشرّع أن يرفع الرسوم المالية على السلع المستوردة، والشخص المخوّل بالكشف واستيفاء الرسوم هو الكشاف الجمركي، الذي ينطبق عليه القول: (ما بين البائع والشاري يفتح الله)، فالدولة تمنحه السلطة والثقة، وهو الجهة التي بيدها الضبط والربط، ما سمح لبعض أصحاب النفوس الضعيفة أن يستسيغوا الربح الحرام، فيغضوا النظر عن أمور وأمور، وكل شيء بثمنه!!
رويَ لي أن أحد التجار (الشطار) استورد منذ سنوات حاوية كاملة من «فردة يمين» من الأحذية البلاستيكية (لاستعـمالها لإعـادة التدوير) عـن طريق مرفأ اللاذقية.. الموظف ( الأشطر) هدته قريحته للاتصال بزميله في مرفأ طرطوس؛ ليعـلم أن التاجر ذاته استورد حاوية كاملة لإعـادة التدوير (برضووو) من «فردة يسار»! وغـني عـن القول أن الأحذية في الحاويتين؛ تحولت بعـد زواج ميمون بين اليمين واليسار لاحقاً؛ إلى أحذية تباع بمبالغ، وتعـرفتها الجمركية أضعـاف تعرفة تلك (النفايات البلاستيكية)!
وصلت الجمارك مؤخراً لدرجة من السطوة تخيف التجار، يقال: إنّ شخصاً برز أمام أحد التجار في دكانه على حين غـرة، وقال: (أنا ملك الموت)، أجابه التاجر بهدوء (خضيتني افتكرتك جمارك)!!!
وهذه السطوة هي بالضبط التي دفعت الأستاذ غسان قلاع- رئيس اتحاد غـرف التجارة (والصديق القديم الغـالي) للطلب من الجمارك أن تمتنع عناصره عن تمحيص البضائع في الداخل، فسلطتهم يجب ألا تتجاوز الثغور الجمركية. ‏
ولكن السؤال المطروح: هل هناك ثقة متبادلة مابين الدولة والمواطن لتيسير الإجراءات؟؟ أم إنّ لعبة القط والفأر مستمرة؟ ‏
أذكر في جولة منذ سنوات على إحدى المنشآت الصناعية في هولندا أنّ صاحب المنشأة امتنع عن دخول إحدى الصالات بقوله: هذا مستودع لي بحاجة لكشف الجمارك على البضاعة، أي إنّ البضاعة وصلت مرفأ روتردام، وتم تخليصها، وبقيت زيارة مسؤول الجمرك لختم الأوراق.. فأين هذا من المعاملات البوليسية التي تجري يومياً وبعد كشف المكتب السري، ولجان لا تنتهي، وبعدها نستغرب أنّ تكاليف الصناعي لدينا ليست منافسة!!
هنالك تضارب بالمصالح – Conflict of Interest- لم يتم حله بعد بين حلب البلد الصناعي للنسيج، ودمشق البلد المصنع للملابس الجاهزة، الأولى تطالب بمنع (أو رفع الجمارك على الأقمشة المستوردة) حماية لمنتجاتها المشابهة، والثانية تطالب بتخفيضها للحصول على مادة أولية رخيصة من أجل منتج منافس، ويحار المسؤول بين (ستي وسيدي)!!! ‏
هنالك بلد وحيد في العالم لا يفرض أي جمارك.. هونغ كونغ تسمح بكل البضائع، عدا الكحول والتبغ (ليتر واحد، وستين سيجارة / أو 15 سيجارا)!!!
هذه الطرفة من وحي الموضوع: وصلت سيدة متعبة ومعها ستة أطفال مشاغبين إلى أحد المطارات وسألها ضابط الجمارك (الأولاد الستة معك؟)، أجابت بالإيجاب، عندها سألها (هل في حوزتك ممنوعات أو أسلحة)، قالت له بغضب (لو كان معي أي أسلحة، لما ترددت باستعمالها معهم مسبقاً)….
ويتفنن المهربون بابتداع حيل لتهريب البضائع، وتتفنن الجمارك في اكتشافها؛ أحدهم كان يعبر الحدود بين ألمانيا وفرنسا يومياً ومعه بضاعة (هايفة) على «موتوسيكل»، وكان عناصر الجمارك يحارون فيما يهرّب… وبعد أكثر من عشر سنوات، ولدى تقاعده؛ عرفوا السر.. كان يومياً يهرّب «موتوسيكلاً» أمام عيونهم!!!
حل مشكلة الجمارك لا يكمن في تشديد الإجراءات، فقد سأل الحاكم مستشاريه عن أنجع الوسائل لحماية بلاده، فقالوا له (حصِّن أسوارها بالعدل). ‏
وهنالك كلام عن كون التاجر وموظف الجمرك ليسا أعداء، بل هما في خندق واحد.. والحل للمشكلة الحالية هو شعور التاجر والصناعي والمستورد بالمواطنة الصالحة، وما تمليه عليهم من تبعات، وأكرّر مقولة جون كندي: ‏«لا تسأل ماذا قدّم الوطن لك، تساءل: ماذا قدّمت أنت لبلدك».

print