منذ القرار البريطاني بالخروج من التكتل الأوروبي وما تلاه من أزمات، دخلت القارة العجوز في حال من عدم اليقين السياسي، دفع الكثير للتساؤل عن المستقبل الأوروبي وأي أوروبا يريد الأوروبيون, الموحدة أم المنقسمة؟ وهذه الفكرة عززها حال الضعف الذي وصلته الأحزاب السياسية التقليدية في قيادة الأحداث، مقابل الصعود اللافت للأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة التي احتلت مناصب سياسية وباتت لاعباً في المشهد الأوروبي ومقبولاً لدى معظم الأوروبيين.
فمع كل حدث جديد يطرأ في أوروبا نجد القارة أمام مفترق طرق، لأن وجهتها ما بعد هذه الأحداث لن تكون كما قبلها، فاليوم يسيطر على المشهد الأوروبي ترقب للانتخابات الأوروبية التي ستجري اعتباراً من اليوم وحتى 26 الشهر الجاري، والتي ستنتج بلا شك وجهاً جديداً لمستقبل أوروبا نستنتجه من احتدام المعركة الانتخابية بين الأحزاب التقليدية وأحزاب اليمين المتطرف، ومحاولة كل طرف شد الحبل باتجاهه، فبينما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: إن الحركات الشعبوية تريد تدمير قيم أوروبا الأساسية، احتشدت أحزاب قومية ويمينية متطرفة من شتى أنحاء أوروبا بقيادة ماتيو سالفيني نائب رئيس وزراء إيطاليا، متعهدة بإعادة تشكيل القارة الأوروبية بعد الانتخابات.
التجاذبات التي تشهدها الانتخابات الراهنة فرضها رفض الشعب الأوروبي للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي دون المستوى والذي أنتجته سياسات الطبقات الحاكمة التقليدية مع عدم امتلاكها لرؤية موحدة من شأنها أن تحسن الواقع، وهذا أنتج أو أدى بدوره إلى نقمة شعبية شهدناها في حركة «السترات الصفراء» في فرنسا، وفي تجاذبات «بريكست» البريطاني، وفي الشهية المتسعة للانفصال عن الاتحاد، كما فرضها التململ من حال البطالة وسياسات اللجوء والهجرة، وهناك قضايا أخرى تتعلق بالتباين في اقتصاديات دول الاتحاد.
في مواجهة ذلك تتخذ أحزاب اليمين المتطرف من العوامل السابقة التي تراها نقاط ضعف لدى الأحزاب التقليدية لتكون كنقاط قوة لها ترفع من رصيد حيازتها على أكبر قدر ممكن من مقاعد البرلمان، كرفض الهجرة واعتبارها تهديداً للشعب الأوروبي، كما أن من تلك الأحزاب كحزب «التجمع الوطني» الفرنسي الذي يروج لذاته من خلال اللعب على وتر الوطنية من خلال شعار «أوروبا الأمم» وهو ما يعني إعادة السيطرة على الحدود الوطنية في رفض واضح لفكرة الاتحاد، فيما يطالب «فرنسا غير خاضعة» بـ«أوروبا اجتماعية» وإعادة التفاوض حول المعاهدات الأوروبية التي ترى فيها تكريساً للهيمنة الألمانية في إشارة ربما غير مقصودة على مساوئ فكرة الاتحاد.
أمام هذا الواقع الأوروبي من البدهي أن تكون الانتخابات محتدمة وأشبه بحلبة قتال, وهو ما أشار إليه المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية بيار موسكوفيتشي، ومن البدهي أيضاً أن تكرس النتائج صورة أكبر عن واقع الانقسام الأوروبي وتشكل فرزاً بين معسكرين سيدخلان في معركة الصراع بين المحافظة على وحدة الاتحاد وبين التشكيك في جدواها، فقضية فوز أحد الأطراف بالمعنى التام على حساب الآخر قد لا تحدث، ولاسيما أن الأحزاب اليمينية المتطرفة حققت تقدماً ملحوظاً في انتخابات 2014، ولم يكن وضع الاتحاد على ما هو عليه اليوم.
الثابت الوحيد أن الصورة الأوروبية في طور التغيُّر، مع الإشارة أن القادم أسوأ كما يرى مراقبون.

print