يبدو أنّنا في جولة استدراكية على «الربيع العربي»، نسمّيه كما سمّوه على الرّغم من أنّه يخالف قانون الجغرافيا وتراتبية الفصول الأربعة.. تبدو النسخة الجديدة أكثر التباساً وفشلاً حيث المناعة الجيوسياسية انتشرت أكثر وحيث بات واضحاً أنّ هناك من يُحرّك الأغصان كي يرى تساقط الأوراق في خريف لا يملك بديلاً سوى جرعة من «الفوضى الخلاّقة» على طريقة ترامب الذي تفوّق على إدارات سابقة في خلط الأوراق.. من الطبيعي أن يكون هناك حدث واحد يأخذ اهتمام المنطقة، لكن حينما تتوالى الأحداث من دون سابق إنذار يكون من الأجدر تعميق النّظر..
في التقريب الجيوستراتيجي نضع قصّة انتفاضات المجتمعات بين قوسين لأنّ مصفوفة الانتفاضات قائمة متى وُجد التهميش والهشاشة وغياب الثّقة، لكن تصبح الانتفاضات جزءاً من سيناريو جيوستراتيجي حين يتدخل المشروع الخارجي ويركب موجة الحراكات.. ولا شك في أن انتفاضات الشعوب- حين لا تؤطّرها طليعة قيادية واعية بالسياقات الإقليمية والدولية وتسقط في خدعة «أصدقاء الشعوب» المزيّفين- تصبح انتفاضات حقّ يُراد بها باطل.
لتمرير «صفقة القرن» لابد من حدّ أقصى للإلهاء.. ولتنزيل «مخطط الإرغام» يتطلب الأمر وضع الكيانات العربية تحت مزيد من الضّغوط والتحرّش الأقصى بأمنها وتفعيل كلّ التناقضات واستغلال كل الأوراق.. إنّ ما يحدث سيكون مجالاً للاستغلال في سياق سياسة قوة الإرغام التي تنهجها القوة العظمى.
هناك دول تعاني انتفاءً أو تراجعاً في الثقة بين السلطة والمواطن.. حكومات تنهج سياسات غير اجتماعية تنتج التهميش.. حكومات تنهج خيارات سياسية تثير غضب الجمهور.. وهي في سياق أطروحة قوة الإرغام تبدو في حالة ضعيفة جداً.. دول على رقعة الشطرنج.. تعيش عزلة إقليمية أو دولية إضافة إلى عزلة شعبية..غياب حكومات شعبية حقيقية وسياسات في مستوى مقاومة قوة الإرغام هي أسباب كافية لتساقط بعض الحكومات.
في السودان يمكننا الحديث عن استبدال مقنّع للقيادة لتفادي السّقوط الأكبر.. تدخل العسكر بطريقته.. ليست هناك مؤسسة ضامنة في المشهد العربي في حال سقوط الحكومات غير العسكر.. ويبقى الرهان على صمود ووعي الشعب في إدارة الحوار مع هذه المؤسسة لمصلحة حكومة مدنيّة.. فالضامن لأمن الكيانات هو المؤسسة العسكرية، والضامن لأمن المؤسسة العسكرية هو الشعب نفسه.. للشعب مطالب لا إشكال في ذلك ولكن من الجهة الأكثر تنظيماً في المجتمع المدني التي يمكنها- في حال تراجع المجلس العسكري- عدم تكرار خيبات الأمل التي شكلت على امتداد تاريخ الحكومات السودانية أمراً ثابتاً.. ومع أنّني في أوضاع عربية أحذر من أن أمضي أبعد في التحليل غير أنّني أرى أنّ ثمّة ضغوطات على السودان يجب اعتبارها في التحليل السياسي والحوار المطلوب بين القوى الشعبية والمجلس العسكري..القضية هنا هي عدم التفكيك بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية..إنّ المناورة والبراغماتية هما قدر الكيانات الضعيفة غير أنّ خيارات العالم اليوم أكبر وفرص كسر الحصار أكثر حين تكون الشعوب مقتنعة برهانات حكوماتها.
.. مهما بلغت سياسة الإرغام فهي لا يمكنها أن تحاصر أُمماً إلى الأبد.. فمكر التّاريخ يتجاوز مشاريع القوى العظمى.. خرج السودان خالي الوفاض من كل تحالفاته، وهذا درس لكي يبني المجلس العسكري رهاناته على القوة الشعبية وينسج علاقات مختلفة مع الخارج.. السودان قوي بشعبه وتاريخه وإمكاناته الزراعية ومياهه ومساحته.. ليس من مصلحة السودان أن يخسر آخر المؤسسات الضامنة وليس من مصلحة المؤسسة العسكرية أن تفقد ثقة الشّعب.. والحل؟.. إنّه الحوار.. وحين يكون الحوار الداخلي مُنتجاً فهذا هو صمام الأمان بالنسبة لكيان سوداني إن أمكنه الخروج مُعافى من كل مشكلاته فقد يصبح ركناً أساسياً في أي تضامن عربي قادم في أفق تعديل سياساته الخارجية باتجاه أكثر إيجابية في العمل العربي المشترك.
في الجزائر نحن أمام حراك شعبي.. كان الحراك في المبدأ «ردّ فعل» طبيعياً لمجتمع أظهر وعياً على مستويين: أنّه شعب أكبر من أن يقبل بوضع ترقيعي على مستوى الحكومة كما أنّه لم يذهب باتجاه العدمية في حراكه.. والحدّ الأدنى يكمن في أن يمضي الحوار إلى أقصاه.. وتماماً كما هو الوضع المطلوب في سائر البلاد العربية هو الانطلاق من مكتسبات قائمة.. وجود مؤسسة ضامنة.. ليس من حق أي طرف أن يقصي الآخر.. ولا غنى عن القوة الشعبية لدعم خيارات أي ترتيبة حكومية قادمة.. وتماماً لابد من مراعاة السياسات الداخلية والخارجية.. ولابد من العمل على الحدّ الأدنى.. إنّ الحدّ الأقصى مدخل للفوضوية.. فالحوار يقوم على أولوية حفظ الكيان الذي يحتضن المتحاورين.. فالمطالب السياسية والاجتماعية هي وطنية بقدر حفاظها على الكيان.
تبدو سياسات الإرغام قد زعزعت بعض الكيانات.. وبعضها الآخر لم ينهض من سباته وهو ماضٍ في تعزيز مشروع قوة الإرغام.. في المنطقة العربية حيث تمت الاستهانة بالتضامن العربي، عملت دول داخل جامعة الدول العربية على إضعاف وضعها حتى باتت هي نفسها عرضة للخطر.. بعض العرب يعتقدون أنه من دون تضامن عربي يستطيعون الإفلات من استحقاقات سياسات الإرغام.
لقد كان واضحاً منذ البداية أنّ ارتدادات الموقف بعد الحرب الإرهابية على سورية ستكون على منطقة شمال أفريقيا.. وسيكون من الطبيعي أنّ مواجهة الإرهاب في سورية ستنتهي بشتات إرهابي سيعمّ مناطق كثيرة.. تبدو بيئة شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وجنوب الصحراء بيئة حاضنة لتشكيلات من الإرهاب وهي تعمل على نمطين: الإرسال والاستقبال.

وفي غياب تنسيق مغاربي متين ستكون منطقة المغرب في وضعية صعبة.. ومع وجود ليبيا في وضعية هشّة سيكون الأمر خطراً جداً.. وهناك جدل اليوم بشأن الأحداث في ليبيا، يرى البعض أنّ هجوم المشير خليفة حفتر على طرابلس إنما الغاية منه خلط الأوراق في المنطقة حيث سينزح الإرهابيون إلى مناطق الجوار.. ومبدئياً يَصعب الحديث عن الوضع الليبي من خلال نمط الاصطفاف.. في ليبيا يبدو أن «الجيش الوطني» هو الجهة الأكثر تنظيماً وقوة للانطلاق منه إلى أي حوار باستثناء الحوار مع الإرهاب على مصير الدّولة.. إنّ الرهان على المقاتلة لتمكين حكومة السراج ضدّ الجيش الوطني والبرلمان جعل مستقبل ليبيا منذ البداية على شفير حرب كانت متوقّعة دائماً وإن بدا أنها جاءت في سياق ملتبس بسبب الوضعية الجيوسياسية للمنطقة.. في ليبيا ما زال الشعب متردداً وموزعاً بين ولاءات متعددة، ويتطلب الأمر تأسيس ثقة بين المؤسسة العسكرية والشعب.. وفي غياب إرادة سياسية ووجود فوضى وخلط أوراق وحالة استقطاب قصوى قد تكون هذه المعركة حاسمة في إعادة سؤال الشرعية والمؤسسة الضامنة.. إن ليبيا اليوم هي في حالة اختبار وتجريب غير أنّ فكرة الدّولة تتطلّب وجود مؤسسة ضامنة والتوافق من دون وجود أرضية صلبة ومؤسسة ضامنة هو عامل مساعد على حرب مستدامة..
ستشهد المنطقة خلطاً واسعاً للأوراق، والغاية هي تطبيق سياسة الإرغام التي تؤدّي إلى: أولاً الإلهاء لتمرير «صفقة القرن».. وثانياً تأجيل مخرجات الحرب في الشرق الأوسط.. وثالثاً الابتزاز..غير أنّنا نعود إلى الحقيقة التي لم تكن تشكل وجهة نظرنا اليوم في ضوء الحراكات ومآلات ما سمي «الربيع العربي»، بل هي عقيدتنا السياسية منذ عشرات السنين، أي ليس قوّة الشعوب فقط تكفي هنا.. بل استقامتها أيضاً ووعيها بالمآلات، وهو شيء يُميز حراك السودان والجزائر عن غيره، حراك مع قدر من الوعي الجيوسياسي وعدم السقوط في العدمية.

طباعة

عدد القراءات: 1