يخطئ من يعتقد أن الأيديولوجية الصهيونية تسعى في مشروعها إلى التوسع الإقليمي على الأرض فقط، بل إنها تستهدف ما أبعد من ذلك بكثير أيضاً، لأن احتفاظها بالأرض التي تحتلها يتطلب منها احتلال العقل العربي الذي يعاديها ويظل يحمل في ثقافته الطبيعية الطموح لاستعادة ما سلبته من أراض تجذر تاريخها في ذاكرته وهويته، ولذلك وضع الكيان الصهيوني وحركته العالمية خططاً تستهدف ثقافة هذه الأمة ومحوها لفرض سرديته المزيفة على مناهج التعليم الأساسي وعلى الثقافة العربية التي تعده مغتصباً للأراضي العربية وبخاصة على ثقافة الشعب الفلسطيني الذي يعد الضحية الأولى لهذه الأيديولوجية الصهيونية الاستعمارية التي قامت على تهويد كل أرض تحتلها وعلى تصفية ثقافة كل من يتمسك بالحقوق ويقاوم أهدافها.
ولتحقيق هذه الغاية فرض الكيان الصهيوني على مناهج التعليم الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة شروطاً يطلب فيها شطب كل ما ورد في تاريخ هذا الشعب من سرديات ومواقف تجاه اغتصاب فلسطين ومجريات النكبة وقرر أن يعد كل عبارة أو نص من هذا القبيل «تحريضاً على الإرهاب ودعوة لكراهية اليهود» في الكيان الصهيوني ومعاداة للسامية في العالم وقرر قادة الكيان الصهيوني إنشاء جهاز يراقب مناهج التعليم الفلسطينية لمنع أي تجاوز للشروط الصهيونية أطلقوا عليه اسم: «مؤسسة مراقبة السلام والتسامح الثقافي في المنهاج التعليمي -IMPACT-se».
وقام الكيان الصهيوني- كعادته- بتوسيع حملته هذه فقدم ملفاً أعدته هذه المؤسسة عن عدم التزام الفلسطينيين بهذه الشروط وأرسله إلى مفوضية الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي بموجب ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في ذكرى النكبة 15 أيار الجاري وطالب أن تمتنع المفوضية الأوربية عن إرسال المساعدات المالية والتعليمية للفلسطينيين في الضفة الغربية إلى أن يشطبوا كل ما يطالب الكيان الصهيوني بشطبه، وبهذا المطلب يريد أن تقوم دول أوروبا بمعاقبة الفلسطيني الذي يرفض التخلي عن ثقافته تجاه وطنه وقضيته.

وبهذه الشروط يريد الكيان الصهيوني أن يفرض على الضحية الفلسطينية أن تصمت أمام جلادها المحتل الصهيوني وأن تنزع ثقافتها التاريخية وتمحو هويتها الوطنية الفلسطينية لأنها ثقافة تهدد بقاء الاحتلال ومستقبل وجوده على الأراضي الفلسطينية.
بل إن الكيان الصهيوني أعد قوانين في (الكنيست) البرلمان لمعاقبة كل فلسطيني أو عربي خارج الأراضي المحتلة يعادي السامية وقدمت له إدارة ترامب دعماً في هذا الموضوع أيضاً بتعيين إيلان كار اليهودي الصهيوني مبعوثاً خاصاً لملاحقة كل من يناهض الصهيونية وفكرها وكيانها وأعلن كار في 5 أيار الجاري أن واشنطن ستعيد النظر في سياستها تجاه أي دولة أو زعيم يناهض الصهيونية وتعده معادياً للسامية؟!

والمستغرب جداً في وقاحة هذه الشروط أن جميع دول العالم تعرف أن المنهاج التعليمي في الكيان الصهيوني للصف العاشر يصف منظمة التحرير الفلسطينية بأنها «منظمة إرهاب ضد اليهود والإسرائيليين» ويصف «إسرائيل» في كتب الصف الرابع بأنها «دولة يحيط بها الأعداء من سورية ومصر والأردن ومن كل اتجاه وهذه الدول تعد المخططات بانتظار الوقت المناسب للهجوم على «إسرائيل» وكانت مجلة «واشنطن ريبورت للشرق الأوسط» في أيلول عام 1999 قد نشرت دراسة أعدها دانيال بار تال وهو بروفيسور يهودي في جامعة تل أبيب واطلع على 142 نصاً للمنهاج التعليمي للصفوف الابتدائية والثانوية في الكيان الصهيوني وفي مواد القواعد والأدب العبري والتاريخ والجغرافيا والمواطنة «ولاحظ أنها تقدم صورة عن العربي تحمل صفات» العدو والغشاش وغير الأخلاقي الذي يرغب دوماً في إيذاء اليهود ويريد تصفية «إسرائيل» ويضيف بار تال: «إن العربي بموجب هذا المنهاج يراه الإسرائيلي لصاً ومتعطشاً للدماء وقاتلاً» في حين أن الصهيوني هو الذي يرتكب المذابح ويسرق الأرض.

وهذا المنهاج التعليمي الصهيوني لن يكون في مقدوره تحقيق هدف المشروع الصهيوني إلا إذا أباد الأمة العربية لكي يبيد ثقافتها وما تضمه من حقائق عن الصراع العربي- الصهيوني وهو المستحيل بعينه، لكن الكيان الصهيوني يعد نفسه «منتصراً» على العرب الذين يهددهم دوماً بالحروب لفرض شروطه عليهم على غرار ما فعلته الحركة الصهيونية مع كل دول أوروبا وبخاصة ألمانيا حين فرضت عليها شروطاً تمنع فيها نفي الرواية الصهيونية عما جرى لليهود في أوروبا أو التشكيك بها، وها هي تطالب بولندا الآن بتبني رواية الصهيونية عما جرى لليهود فيها لمطالبتها بتعويضات عن ممتلكات اليهود البولنديين حين احتلت ألمانيا النازية بولندا ودمرتها وفرضت على شعبها كل أشكال الحصار والعذاب.
وفي النهاية، يخطئ كل من يعتقد أن الكيان الصهيوني سيعامل العربي عموماً بشكل مختلف عما عامل الفلسطيني والسوري والمصري واللبناني والأردني والعراقي، فالكل عرب ويحملون ثقافة تطالب بفلسطين وكل أرض يحتلها الكيان الصهيوني.

print