تقف أسباب عدة وراء الهجرات الجمعية والفردية، والهجرة اضطراراً هي أقساها وأعنفها، وأكثرها تمثيلاً لفكرة استئصال المهاجر من ذاته وكينونته، ونفيه في كينونة أخرى، يمكن أن تعني في حالات متعيّنة عدة نفياً من الوجود، بإطلاق دلالة النفي. وفي هذا السياق يذكر الإيطالي ذو الأصل الأرجنتيني (أدريان. ن برافي) أنّ رحيله لم يكن رحيلاً صوب أوروبا بصورة متعمّدة، بل كان «رحيلاً بقصد الرحيل عن البلد، كانت الرغبة في الرحيل أقوى من الرغبة في حطّ الرحال». وعلى الرغم من المشابهة المعروفة بين اللغتين الإسبانية والإيطالية فإن المهاجر أياً كانت أسباب هجرته يعيش غربة وجودية ذات طبيعة لغوية صرف، بوصف الهجرة تجربة لغوية أيضاً، وينبغي النظر إليها من وجهة نظر لغوية، حسب رأي برافي.
في (العهد القديم) إن البلبال اللغوي الذي أصيب به سكّان بابل القديمة، فأقلع كلهم عن فهم كلّهم، كان تجليّاً لغضب الله الذي أنزله بأولئك القوم حسب الرواية التوراتية المعروفة. واليوم يعيش معظم العالم فيما يشبه البلبال اللغوي الشامل الناجم عن تداخل جميع العوالم اللغوية بجميعها إلى الدرجة التي لم يعد ممكناً فيها أن يعيش المرء داخل لغة واحدة. ورغم الإقرار بضرورة تعلّم اللغات الأخرى، وإتقانها، إلى جانب اللغة الأم، يظلّ للّغة الأم دورها المرجعي الحاسم في تشكيل الكينونة الجوهرية للمرء. وفي هذا الصدد يتحدّث أحد المهاجرين الروس إلى الولايات المتحدة خلال حقبة الاتحاد السوفييتي (برودسكي) الذي بدأ فور مغادرة بلاده بهجوم شرس على لغته الروسية الأم ذاتها ناعتاً إياها بالفساد والتواطؤ مع أنظمة الحكم الشمولية. المعتاد أن يوصم مثل هذا العمل بالخيانة الشاملة، بإطلاق دلالة الخيانة. لكنه في مرحلة لاحقة من حياته الأمريكية التي عاشها اندغاماً وانسحاراً بالإنكليزية الأمريكية يقرّ بأنّ المنفى (حدث لغوي) ويقرّ أيضاً بمرجعيّة اللغة الأمّ بوصفها السيف الذي يصير في الغربة درعاً أو ملجأ، أو حيّزاً يمكننا أن نختبئ فيه مع ذكرياتنا أو مع ماضينا لنعثر في ذلك المخبأ على باطن لغتنا الحميمي.
وَصمت الحقبة الاستعمارية الكثير من اللغات بأنها شيطانية وعملت على إبادتها في مختلف المناطق التي اجتاحها السعار الاستعماري الذي يبلغ اليوم إحدى ذرواته العاملة على الإبادة الجماعية والتذويب الجمعي اعتماداً على إبادة اللغات الأمّ بوصفها الرحم الأوّل للكينونة.

طباعة

عدد القراءات: 1