بات من الواضح أن استياء الولايات المتحدة من خطط الاتحاد الأوروبي لتطوير قطاع الدفاع، ناتج عن رغبة الولايات المتحدة في مواصلة سياسة هيمنتها على أوروبا وسعيها لإبقاء أوروبا تابعة لها، ومؤخراً أطلق البيت الأبيض الكثير من التهديدات شديدة اللهجة للاتحاد الأوروبي، وأعرب أن هذا الاتحاد سوف يُمنى بعواقب اقتصادية وسياسية إذا استمر في تطوير مشاريعه الدفاعية الخاصة وإنتاج وتصدير الأسلحة.
المخاوف الأمريكية قد تكون مرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما قد يجعل برلين تتعاون بنشاط أكبر مع باريس، وليس مع لندن، التي تدعمها أمريكا، بينما هناك في النخبة الأوروبية الحاكمة، كثيرون من أنصار الولايات المتحدة، وهم يعتقدون بأن أمريكا على الرغم من كل شيء إيجابية التأثير، وبالتالي، سيدعم معظم السياسيين الأوروبيين واشنطن للحفاظ على تأثيرها القوي على الاتحاد الأوروبي.
وبالعودة إلى التاريخ نرى أنه بعد الحرب العالمية الثانية، أطلقت أمريكا أكبر خطة تتعلق بسياساتها الخارجية، جاءت تحت عنوان إعادة الإعمار في أوروبا، وقيل في ذلك الوقت إن هذه الخطة تهدف إلى إزالة مشكلات ما بعد الحرب وخلق بيئة آمنة من أجل القضاء على الديكتاتورية، لكن المساعدات المالية الأمريكية التي كانت تقدّر في ذلك الوقت بـ13 مليار دولار، كانت تسعى لتحقيق أهداف أخرى، أهمها تشكيل حكومات أوروبية موالية للبيت الأبيض وخاضعة له، وإنشاء سوق للمنتجات الأمريكية في تلك المناطق وفرض تعريفات جمركية على الدول الأوروبية.
سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فور وصوله إلى البيت الأبيض إلى الاعتماد على أساليب جديدة من أجل إخراج الولايات المتحدة الأمريكية من النظام الأحادي القطب والانتقال بها إلى حالة الهيمنة، وبناءً على النهج الانعزالي الجديد، فقد تمكّن ترامب من الانسحاب من الكثير من المعاهدات الدولية، ومن خلال الاعتماد على العدوانية تمكّن أيضاً من تعظيم القوة الأمريكية، والدخول في منازعات مع كل القوى الأخرى المنتشرة في العالم كالاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.
لقد عملت دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية على وضع الكثير من البرامج والخطط الدفاعية لتطوير معدات وأسلحة عسكرية احتكارية خاصة بها، وهذا الأمر من شأنه أن يلحق الضرر بسوق تصدير الأسلحة الأمريكية في المستقبل القريب، حيث تملك الولايات المتحدة تقريباً 34% من صادرات العالم، في حين أن الاتحاد الأوروبي يملك 23% من صادرات العالم، وهو بهذا يُعدّ المنافس الأول والأبرز لواشنطن في مجال تجارة الأسلحة العالمية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرنسا تحتل المرتبة الثالثة، وألمانيا تحتل المرتبة الرابعة في مبيعات الأسلحة، وإذا ما تحالف هذان البلدان في مجال إنتاج المعدات العسكرية، فإن ذلك سوف يشكّل تهديداً استراتيجياً لأمريكا ولهذا نرى أن قادة البيت الأبيض أطلقوا خلال الفترة السابقة الكثير من التهديدات للدول الأوروبية.

print