كان ذلك أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين، فقد نشأ في حركة الشعر، ما أُطلق عليه حينها، قصيدة البياض، بمعنى كانت الصفحة تكتفي بجملة أو جملتين للقول الشعري، ومن ثم كان على بقية البياض من تلك الصفحة، أن يؤوّل ماتبقى من معنى، أو من المعاني التي كانت تبقى في قلب الشاعر، فقد عدّ هذا التكثيف، أو هذا الإيحاء يكفي لوصف الحالة الشعورية، والشعرية، في مقابل ذلك أيضاً -ومازلنا هنا في أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين – نشأ في القصة القصيرة نوع مشابه لقصيدة البياض، هو القصة – الومضة، هكذا بالحرف، ما أطلق على القصة القصيرة التي ستسمى فيما بعد، وبحوالي أقل من خمس سنوات «القصة القصيرة جداً» والمفارقة هنا، أن مصطلح «الومضة» ستستعيره منها قصيدة البياض فيما بعد، كما صارت تسمى قصيدة «التوقيعة».!
إعارة مصطلح
ورغم أن القصة القصيرة جداً التي كانت تسمى بضعاً من الوقت القصة الومضة، وذلك حتى قُدّر لها ناقدان، في منتصف التسعينيات، وكرسا لها حملة تعبوية، كانت أشبه بالحملات التعبوية، التي ترافق عادةً إنشاء حزب سياسي، ورغم ذلك أقول: إن القصة القصيرة جداً، لم تكن نتيجة تطورات ومتغيرات، وإنما كانت موجودة منذ قديم أدبنا العربي، وربما كانت تأتي على شكل حكم، أو مآثر على لسان الأعراب، وكانت تسعى دائماً لتقديم شيء ما من النصح، أو الإرشادات، أو حسب حاجات ومتطلبات التفكير والحياة آنذاك، وربما كانت نوادر جحا خير مثال على شكل هذه القصة التي جهد «مشحنو» الحملة التعبوية السابقة الذكر، على تكريسها جنساً أدبياً مستقلاً عن القصة القصيرة المتعارف عليها.
إذاً.. التطور ليس بنشأتها وإنما بموضوعها، بهدفها، وكيفية تقديمها: أسلوباً، ولغة، ومن المؤكد، أن القصة القصيرة تقدم نفسها ببريق خاطف، حيث أحياناً تتداخل عدة أزمنة، وعدة فضاءات، ودلالات، وتتعانق البداية، والعقدة، والنهاية للحدث، ثم وفي الختام، تلقي الحصى الأخيرة التي تثير في الماء الراكد دوائر عدة، كما تثيرها في النفس اللاهثة وراءها. والقصة القصيرة جداً، هي قصيدة منثورة لما فيها من تكثيف لغة ضروري وملّح.. والتكثيف لا يأتي إلا عبر الكلمات الموحية، الموجزة، وربما حملت رموزاً عدة، وهذا لا يكون إلا عبر اللغة الشعرية، فالومضة، وهو المصطلح الذي أهدته القصة القصيرة جداً للقصيدة، هي في النهاية عليها أن تترك وميضاً ما في النفس، تساؤلاً، دهشة، أو ابتسامة، خوفاً، أو غضباً..وميضاً يحمل انفعالاً ما.
نص إشكالي
مع ذلك، فقد برزت القصة القصيرة جداً واحداً من النصوص الإشكالية التي لاتزال تثير أسئلة كثيرة لم يتم الإجابة عنها بشكلٍ حاسم، وناجز..لأن نص القصة القصيرة جداً هو تنويع على فن السرد القصصي، لكن ذلك لا يمنع وجود أركان وشروط خاصة به، وإن كان ذلك مازال مثار جدل الكثيرين.
ومع مرور الوقت حاول النص أن يثبت حضوره وجدواه، فأبدى مرونة ستتيح له ترسيخ جذوره وتطوير ذاته..مرونة إن استمرت بشكلٍ جيد، ستسمح للكاتب والمتلقي، أو تتيح لهما فرصاً من حرية الحركة والإبداع والتحليل، و..التأويل.
وهنا يجدر الانتباه إلى أن القصة القصيرة جداً ليست تلك الخلطة بين أجناس وفنون، فلها أركانها وشروطها، وتقنياتها كما أسلفنا، وحضور هذه «الأركان» أو الشروط مهم جداً، ومن أهمها:«وحدة الموضوع القصصية، الحكائية، ولعل هذه أهم شروطها، و..التكثيف» وأما لجهة القصر الشديد، فلا أعتقد أنه شرط لازم، لأنه في أحايين كثيرة، كان عاملاً في إظهار القصة القصيرة كائناً مشوهاً.
إذاً ثمة دعوة لاستثمار كل شيء بطاقاته المختلفة وفقدان أحدها، أو عدم استثماره، أو توظيفه بشكلٍ صحيح يفقد القصة ميزتها، و..تاريخ القصة القصيرة جداً يعود إلى الربع الأخير من القرن الماضي، لكن ذلك من حيث المتابعة النقدية، واحتفاء الإعلام والصحافة المكتوبة بشكلٍ خاص بها، ذلك أن جذورها ضاربة في القدم كما أسلفنا، فقد عُرفت خلال العقدين الأخيرين من القرن الفائت لدى عدد من الكتاب في العالم العربي، وقد سبق أن ظهرت في سورية، وبشكلٍ مبكر على يد كتاب كبار، نذكر منهم: وليد إخلاصي في مجموعته «الدهشة في العيون القاسية» ونبيل جديد في مجموعته «الرقص فوق الأسطحة» التي يعدها الكثير من النقاد والمتابعين لفن القصة القصيرة جداً أنها المجموعة البكر في سورية..تبع ذلك جهود لاحقة كتبها كل من: زكريا تامر، وليد معماري، جميل حتمل، نضال الصالح، مروان المصري، و..غيرهم.
روح الشعر
و..بغض النظر عن سبب وتاريخية نشوء القصة القصيرة جداً – الومضة، ثمة حرية للكاتب – المبدع في قول مايود قوله، وبالطريقة التي يريدها، وليس علينا أن نقيده بطريقة، أو بأسلوب أو طول، أو قصر، وهذا يرتب مسؤولية أكبر على المبدع نفسه، إذ إن عليه أن يقدم ما يُقنع، وأن يثبت أن النص الذي قدمه جدير، وإنه يمتلك خصائص تخوله الدفاع عن مشروعيته شكلاً ومضموناً، وأن يمتلك القدرة على البقاء، وربما التميز، وهذا الأمر ينطبق على القصة القصيرة جداً كما على سواها، والأمر يتعلق بانتفاء القصدية، أي القول إنني سأكتب القصة القصيرة جداً، لأن طبيعة العصر تستدعي ذلك، وإن القارئ ليس لديه الوقت، أو الحافز للمتابعة المديدة، أو الجدية للأعمال الطويلة.. كما يجب ألّا يكون الركون لهذه القصة القصيرة جداً، نتيجة قصر النفس، أو عدم الاغتناء أو الإحاطة بالموضوع، أو الفكرة، أو عدم تمثل الحالة، وإذا لم يكن لدى المبدع القدرة على قول أشياء مهمة في هذا العدد المحدود من الأسطر، فلا مسوغ له.
إن عبارة واحدة قد تثير عدداً من الارتدادات والاهتزازات يطول تأثيرها ويسمو بمتلقيها إلى فضاءات كثيرة، ويمكن أن تعجز صفحات كثيرة عن إفراز تساؤل واحد، إن العمل الإبداعي نفسه هو الذي عليه أن يقدم مسوغات وجوده ومشروعية طرحه واختياره.
في اعتقادي أيضاً، ليس هناك من شكلٍ نهائي، لا يأتيه الباطل، ولا التبديل لأي نوعٍ من أنواع الأدب، وفي اعتقادي أيضاً أنه لا يحق لأحد أن ينصّب نفسه وصياً على هذا الفن، أو ذاك من فنون القول..ومن هنا أرى أن القصة القصيرة جداً، أو الومضة هي شكل، أو محاولة، أو تجربة من أشكال وتجارب القص، وإن كنت أرى أنها تضحي بلعبة السرد لتستعيض بالكثافة، أو الدلالة، أو الإيحاء..إلخ، و..هذا ما يدنيها من روح الشعر.
و..أخيراً نقول: إن القصة القصيرة جداً، وبعد مرور أكثر من عقدين على الحالة التعبوية التي رافقت انتشارها، أغنت كثيراً فن القصة القصيرة كنوع، تماماً وبمقدار الفاعلية التي أغنت من خلالها قصيدة النثر، القصيدة الشعرية العربية، تلك التي استنفدت كل جمالياتها السابقة.
لكن الخطر الذي يحيق بالقصة القصيرة جداً اليوم؛هو خطر«الاختزال» الذي كثيراً ما يقزّم هذا الإبداع الجميل ويخرجه عن جمالياته الكثيرة صوب التغميض والتلغيز وأحياناً الهراء.. وللحديث أكثر من بقية.

print