جاء الإسلامُ ليرفع مكانة المرأة، وكرَّمها حق تكريم، وجعلَ النساءَ شقائقَ الرجالِ في الأحكام، وسَاوَى بينهما في أخوة النسب البشري، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13 ، وساوى بينهما في العمل والجزاء عليه، فقال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران: 195 .
وأعطى القرآن المرأةَ عناية فائقة، استهدفت حمايتها، وتنظيم حياتها العامة والخاصة، فلقد ضرب الله تعالى المثل ببعض النساء التقيَّات العابدات، وجعلهن قدواتٍ للرجال والنساء في الإصلاح والتقوى، قال تعالى:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَة فِرْعَوْنَ, إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ .
كما أن أولَ من آمن بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وصدَّقها، كانت امرأةً، وهي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وحين جاء النبي محمد (ص) الوحي في غار حراء، فأذهله الأمر وخشي على نفسه قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: ((أَبشِرْ؛ فواللهِ لا يُخزيك اللهُ أبداً؛ والله إنك تَصِلُ الرحمَ، وتصدُقُ الحديث، وتحمل الكَلَّ وتَكسِب المعدومَ، وتُقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق)). وأول من استُشهد دفاعاً عن الدين كانت امرأة، وهي الصحابية الجليلة سُمية بنت خياط، زوجة ياسر بن عامر، ولا ننسى دور أسماء بنت أبي بكر في مساعدة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبيها، حينما هاجَرَا إلى المدينة واختبأا في غار ثور، فكانت تأتيهم بالطعام والشراب، وأخبار قريش.
عن مكانة المرأة في الإسلام، ودورها المهم في الحياة، وتوفير الظروف للتعبير عن شخصيتَها القوية التي تسمحُ لها باتخاذ القرار وتحدي الصعاب لنيل مبتغاها. يقول المحامي أيمن زند الحديد:
يزيدنا شوقاً لمعرفة المنهج الذي أرساه النبي محمد صلى الله عليه وسلم للتعامل مع المرأة، أُمّاً كانت أم بنتاً أم أختاً أم زوجةً أو غيرهن من النساء… ما يكون لنا هدياً لتصحيح الصورة النمطية للمرأة في مجتمعنا.
ومن ذلك تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة (أُمّاً):
فقد سأل رجل الرسول صلى الله عليه وسلم: مَنْ أحقُّ الناس بحسن صحابته؟ فقال له: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثم أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أبوك)).
بل إنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالأم وإن كانت غير مسلمة؛ فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت: قدِمت عليَّ أمي وهي على دين قريش، فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قدِمَتْ عليَّ أمي وهي راغبة، أَفَأَصِلُ أمي؟ قال: ((نعم، صِلِي أمَّك))
ويضيف الأستاذ زند الحديد لقد كان الرسول الكريم محمد (ص) قدوة في تكريم المرأة (أختاً وابنة):قال صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يُهِنها، ولم يُؤْثِرْ ولده عليها – يعني الذكور – أدخله الله الجنة)).
وقال أيضًا: ((من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسَنَ صحبتهن واتقى الله فيهن، فله الجنة)).
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُسَّرُ ويفرح لمولد بناته، فقد سُرَّ واستبشر صلى الله عليه وسلم لمولد ابنته فاطمة رضي الله عنها، وتوسم فيها البركة واليُمن.وفي هذا درس منه صلى الله عليه وسلم بأن من رُزِق البنات وإن كثُر عددهن عليه أن يُظهر الفرح والسرور، ويشكر الله سبحانه على ما وهبه من الذرية، وأن يحسن تربيتهن، ويحرص على تزويجهن بالكفء «التقي».
ويوضح المحامي زند الحديد سبل تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم للمرأة (زوجة):فيقول : يعد الرسول صلى الله عليه وسلم خيرَ مربٍّ ومعلمٍ في تعامله مع زوجاته، فكان يعاملهن برفق ومودة وعدل وحلم.
وقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على الرفق وأعلى من شأنه، فقال: ((يا عائشة، إن الله رفيق يُحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه)) وقال الحبيب المصطفى صلوات الله عليه: ((الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه)).
وكان صلى الله عليه وسلم خيرَ الناس لأهله، وخيرهم لأمَّته من طيب كلامه وحسن معاشرة زوجاته بالإكرام والاحترام، حيث قال: ((خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) ، ومن مظاهر رفقه صلى الله عليه وسلم على نسائه: تدليلهن وملاطفتهن وقبول الغيرة منهن.
كما لنا في رسول الله أسوة حسنة، حيث كان يطبق مبدأ الحلم مع زوجاته، فلم يكن يغضب منهنَّ لنفسه؛ إنما يكون غضبه إذا كان الخطأ منهن في حقٍّ من حقوق الله.
وعن مظاهر تكريم الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء عموماً:
فقد خصَّص الرسول صلى الله عليه وسلم للنساء يوماً يعلِّمهن فيه أمور الدين. وجعل من حق الفتاة أن تختار شريك حياتها؛ فعن عائشة رضي الله عنها، أن فتاة دخلت عليها فقالت: «إن أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته وأنا كارهة»، قالت: «اجلسي حتى يأتي النبي صلى الله عليه وسلم»، فجاء رسول الله فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: «يا رسول الله، قد أجزتُ ما صنع أبي، ولكن أردت أن أَعْلَمَ أَلِلنِّساء من الأمر شيءٌ؟»
والرسول يوصي بالنساء في آخر وصية له في حجة الوداع، فيقول: ((ألا واستوصُوا بالنساء خيراً)).
ويرى الأستاذ زند الحديد: إن من أهداف الإسلام بناءَ مجتمع يكون فيه لكل من الرجل والمرأة دورٌ متكامل في عملية البناء والتنمية، وقد أعطى الإسلام المرأةَ حقوقَها كاملة، على أساس ينسجم مع شخصيتها، وقدراتها وكفاءتها، وتطلعاتها ودورها الرئيس في الحياة، وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية على وحدة الأمة الإسلامية بعناصرها الحيوية، فلكلٍّ من المرأة والرجل شخصيته، ومكانته في المجتمع الإسلامي. وكانت وصايا الرسول الكريم تؤكد أن المرأة تحتاج إلى مداراة من الرجل، وملاطفة، واتساع صدر، وحسن خلق.
وتدعو الى التحلي بالاحترام والمودة والتعاطف المتبادل بين الزوجين؛ حتى لا تنقطع عند الانفعال الأول وتوعية الزوج بمعنى القوامة الحقيقية، وأنها تعد مسؤولية وتكليفاً لا تشريفاً.
والدعوة إلى احترام المرأة في جميع المجالات، ورفض العنف (المنزلي، الاستغلال الجنسي، الاتجار بالمرأة، المضايقات… إلخ)، وترسيخ مبدأ الاحترام؛ بإقناع الشباب بأن المجتمع الآمن المستقر هو المجتمع الذي تُراعى فيه حقوق المرأة وتُحفظ وتؤدى لهن تقرباً من الله، وسعياً لتنمية المجتمع وتنقيته من الحقد.

print