لنتعرف؛ إن ثمة الكثير من المبدعين السوريين، وحتى غير السوريين، ما كنا تعرفنا على نتاجاتهم الإبداعية، لولا مواقع التواصل الاجتماعي، صحيح أن هذه المواقع نفسها، وفرّت للعشرات من ضعيفي الموهبة، أو حتى معدوميها أن يقدموا نتاجهم الغث، مع ذلك- وهذه وجهة نظر شخصية- المسألة هنا صحيّة تماماً، ذلك أنها وفرت للمتلقي أيضاً حرية انتخاب الأفضل.. وهذا أيضاً ما يحصل في الإصدارات الورقية، فالنوعي الذي يُعتدُّ به ورقيّاً؛ هو قليل جداً أمام هذا الكم الهائل مما تلفظه دور النشر سواء كانت عامة أو خاصة على مدار الأيام.. وإن كانت مسألة الاطلاع الفيسبوكي أسهل بعشرات المرات من التناول الورقي، سواء بسبب صعوبة القدرة الشرائية واقتناء الكتاب، وحتى في مسألة السهولة في التناول، بين أن تفتح (فيسبوكاً)، أو تقرأ في كتاب..
الورقي الذي كان فيسبوكياً
والجميل في أمر هؤلاء الفيسبوكيين، أنهم وبعد نجاح تجاربهم الفيسبوكية، غالباً، ما يُسارعون لإصدارها ورقياً، ومثل هذه الحالات، وصلت إلى العشرات من التجارب. وكأن حالة النشر الفيسبوكية؛ هي اختبار لجودة النص، الذي غالباً ما تُنتهك «كرامته» بين براثن قراء وزارة الثقافة واتحاد كتاب العرب.
وهناك أمر جميل آخر، في تجارب هؤلاء المبدعين، أنها ذهبت باتجاه التخصص، بمعنى صرنا نرى عشرات المواقع، والصفحات المتخصصة بنتاج إبداعي محدد، معيدةً الذاكرة إلى المجلات الأدبية والثقافية، التي كانت تتخصص بنتاج إبداعي محدد في منتصف القرن العشرين وحتى نهايته. وهنا ربما، باستطاعتنا أن نتحدث عن جميلٍ ثالث، هو أن هذه المجموعات من المبدعين، لم تبقَ في إطار الحالة الافتراضية، بل تنادت، والتقت، وشكلت مجموعات ثقافية على أرض الواقع، ولم تبقَ رهينة الفضاء الأزرق، ومن ثم ليس من الغريب أن تتنادى يوماً لتشكيل «اتحاد الكتاب الفيسبوك».
الخطف خلفاً
على مر تاريخها؛ عرفت القصيدة العربية، الكثير من الحوامل، من ساحات القبيلة في مرحلتها الشفاهية، حتى تمت كتابتها بماء الذهب، وتعليق عشرة من أهم ما قيل في الشعر العربي على جدران الكعبة. وإن كانت الأحفورات الأثرية كشفت لنا عن شعرٍ سوريٍّ عظيم لسوريين فينيقيين سبقوا الشعراء العرب بآلاف السنين دونوا شعرهم نقشاً على رقم طينية وفخارية في الزمن القديم، وفي مسيرة حوامل القصيدة، كان أن كُتبت على الصخور، والجلود، حتى احتضنها الورق في كتاب. وكان الشعر «المحظوظ» الأول في النتاج الإبداعي على صفحات الفيسبوك. الذي يصلح حاملاً للقصيدة؛ في حال وجود الضمير الأدبي الشعري النقدي الذي يتابع الجميع ويُثمن الجيد ويعمل على إظهاره، والزمن هو من سيُحدد منحى أو مناحي هذه الحوامل للإبداع.. واليوم تكثر على صفحات هذه الميديا الجديدة الروابط الأدبية، وإن كان أغلبها على صفحات الفيسبوك، والتي بدأت منذ أن قام الشاعر البحراني قاسم حداد بإنشاء موقع «جهة الشعر» الذي كان له قصب السبق في العالم العربي في هذا المجال، عدّ حينها فتحاً جديداً في عالم الشعر.. ولشدّة ما اندهش الناقد كمال أبو ديب، من «إنجاز» الشاعر حداد في سبقه المُبكر لنشر الشعر إلكترونياً، فقد عدّه واحداً من الذين صنعوا مجداً للشعر العربي، يُضاهي مجد تاريخه العريق، بل إنه ليربو عليه – الكلام لأبي ديب- وذلك من حيث أدخل الشعر العربي في فضاء شعر العالم في لحظة إنتاجه ذاتها، لا بعد قرون من اللأي ومرارة الانتظار. وكان حداد أنشأ بعد العقد الأول من بداية الألفية الثالثة؛ موقع «جهة الشعر» على شبكة الإنترنت، ولاسيما أنه جاء في البدايات الأولى لانتشار مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي، الأمر الذي عدّه أغلب المثقفين العرب؛ الحدث الثقافي الأهم على مر عقدٍ ونيفٍ من السنين، حتى إن بعض النقاد عدّوه النتاج الأبرز للشاعر البحراني..!
لكن ما إن مرّ بعض الوقت على «جهة الشعر» الموقع الذي كان حلم الشعراء العرب لنشر قصائدهم على فضائه الأزرق، حتى ظهر السيد الـ«فيسبوك» الأمر الذي جعل لكل شاعر، وحتى مُدعي الشعر يُنشئ «موقعه الشعري» كجدار خاص ينشر من خلاله قصائده؛ مُنهياً احتكار «حراس الجرائد» الورقية لحركة النشر وإلى الأبد.. ومن هنا كان سؤال «تشرين» الذي وجهته لأكثر من مسؤول موقع، أو رئيس رابطة أدبية على الفيسبوك وحتى لناشطين في هذه الروابط: «كيف تنظر إلى الروابط الأدبية على الفيسبوك.. هل هي تشريع لجنس إبداعي أم لم شمل لكتّابه، وهل يُمكن التعويل عليها في إنشاء كتابة جديدة وموازية للسائد من الكتابة؟»
صاحبة الفضل الكبير
«أدينُ لروابط الفيسبوك ومجموعاته بالكثير.. فقد أمضيت عمري قبله هاوية للقراءة والكتابة، ولكن ما إن فتحت صفحتي حتى تغير كل شيء.» ذلك ما تؤكده الشاعرة هالا الشعار في إجابتها عن سؤالنا السابق، وتُضيف: «أجرؤ على القول إنها – صفحتها- كانت لحظة فارقة، فبالنسبة للكتابة كانت المرات الأولى التي يقرأ أحدٌ ما، ما أكتب، ومن ثمّ يُشير علي بما أفعل وبسبب ملاحظة أديب صديق تعرفت على الهايكو، ودخلت مجموعة «هايكو سورية»، التي كان عبارة عن ورشة محترمة لصناعة الجمال.. في هذه المجموعة لا توجد فروق فردية أو اصطفافات تقف عائقاً أمام الإبداع. كل أفراد هذه الورشة تلاميذ بمقدار ما هم معلمون.. ومن هنا شكلت المجموعة والحوارات التي كانت تدور فيها دافعاً للبحث.. لا أعرف اليوم وبعد خمس سنوات من الوجود بالمجموعة كم كتاب أو مقال قرأت، لأظل منسجمة مع الطروحات الأدبية والفكرية التي كانت مشمولة بالحوارات الدائرة.. كنت للمرة الأولى أجلس افتراضياً مع لغويين وأدباء ومفكرين دونما حواجز.. هذه المجموعة وأقصد «الهايكو سورية» احتوتني ووجهت كتاباتي، بنوعية النقد الممنهج، والإشارة العابرة للأخطاء.. وأما الصرامة من قبل «الأدمن» وهو الدكتور سامر ذكريا، فقد حولتني وكثراً غيري لشاعرة مسؤولة عما أكتب وأنشر، كما وضعتني في مصاف أدباء كان السلام عليهم مجرد أمنية يقرؤون لي ويعجبون ويقيمون. وتختم الشعار إجابتها: شخصياً أنحاز عاطفياً للفيسبوك، رغم بعض «التنمر» الذي واجهته فيما واجهت من صعوبات إلا أن مجموعة «هايكو سورية» كانت دافعاً إيجابياً ومدرسة لن أنسى فضلها ما حييت.
شرعية السؤال
إجابة الشاعرة الشعار، اختصرت ملامح «الحالة الفيسبوكية» التي شكلتها في عالم الإبداع للكثيرين تمّ تهميشهم في عالم المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الثقافية، الإبداع الذي يبدو أنه تمّ سحب الكثير من بساطه من براثن مؤسسات هي أقرب لمزارع خاصة لأشخاص بعينهم قد تُفنى أعمارنا وهم راسخون في مناصبهم وقائمون فيها «ما أقامت ميسلون».. من هنا تبدو شرعية سؤالنا لما لحق من اضطهاد وتطفيش وتجاهل ليس لمبدعين فقط، بل لأنواع إبداعية بذاتها في ظل ثقافة سلفية ومُتحجرة تتكدس في مستودعات لا تُساوي الحبر التي كُتبت به.. مؤسسات رسمية أو شبه رسمية مُتناحرة خطابها التخوين والشماتة، وليس أدل على ذلك ما حصل في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب الأخير من انقسام حاد بين أعضائه والذي ليس إلا جزءاً يسيراً مما بدا من ذوبان القليل من جبل الثلج الذي يُغطي «مرج الاتحاد» منذ سنين بعيدة..
من جهته الدكتور محمد ياسين صبيح- رئيس «رابطة القصة القصيرة جداً في سورية» أكدّ أن الطفرة التكنولوجية التي سادت في العالم؛ أدّت إلى تغيير طريقة التواصل والانتشار الأدبي من خلال ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي قربت المسافات وألغت حدود اللقاءات، وهذا انعكس على النشاطات الأدبية بشكلٍ عام، وعلى انتشار القصة القصيرة جداً بشكل خاص نظراً لمواءمة طبيعتها القصيرة والمكثفة مع التطور التكنولوجي، من هنا أتت الروابط الإلكترونية على الفيس محاولة لتنظيم انتشارها ولخلق مساحات مفتوحة للتفاعل المباشر ما بين النقاد والكتاب، وأدى ذلك إلى زيادة التفاعل بين الكتاب بشكلٍ عام.
تأتي أهمية هذه الروابط الإلكترونية من مستوى تفاعل ونوعية الكتاب المشاركين فيها، من هنا يرى صبيح أن «رابطة القصة القصيرة جداً في سورية»، قد أوجدت مساحات مهمة جداً للتفاعل ولتبادل الآراء النقدية والاطلاع على الإبداعات المختلفة، ما انعكس إيجاباً على مستوى الكتّاب بشكلٍ عام، وظهر كل ذلك في الملتقيات الأدبية التي ساهمت بشكلٍ فعال في تنظيمها، من خلال المستوى العالي للكثير من كتّابها، وهذا يقودنا إلى الإجابة عن سؤال؛ هل هي لم شمل أم تشريع لـ«ق.ق.ج»؟
يعتقد صبيح أن الرابطة وفرت مساحة إبداعية مهمة ساهمت وتساهم في صقل الرؤية الإبداعية والنقدية بشأن القصة القصيرة جداً، وساهمت في زيادة شعبيتها في مختلف الفئات الشعبية، ومن ثمّ إذا تحولت إلى مكان قد يأخذ الصفة الرسمية، فهذا سيؤدي إلى تواصل الاهتمام وتواصل الفاعلية النقدية التي ستؤدي إلى رفع المستوى الإبداعي للكتّاب، وتساهم في المساعدة في نشر مختلف الإبداعات الورقية، وفي تنظيم الملتقيات الأدبية الخاصة بالقصة القصيرة جداً. وهي أيضاً لم شمل لمختلف الكتاب المبتدئين والمعروفين والمخضرمين في مكانٍ واحد مما يُساعد في زيادة الألفة والتواصل بينهم.
لقد خلقت رابطة القصة القصيرة جداً – يُضيف صبيح – حالة تفاعلية فريدة، أدت إلى ظهور كتابٍ أصبحوا على مستوى مميز جداً. ومثلت انطلاقات حقيقية على أرض الواقع ساهمت في تحريك الركود الثقافي والإبداعي الناتج عن النمطية السائدة والعقل الإبداعي الروتيني الموجود، وخلقت ظروفاً واسعة ليثبت الكثير من الكتاب أحقيتهم ووجودهم الفعلي على الساحة الثقافية وبالنهاية كل ذلك إغناء للحالة الإبداعية بشكل عام .
كل «خليوي» دار نشر
استطاعت الثورة الرقمية في عالم الإنترنت أن تجعل من كل هاتف «خليوي» دار نشر متنقلة، وبعد أن كان النشر الأدبي مكلفاً جداً، وبعد أن كانت فرصة الإنسان العربي في نشر كلماته تكاد تعادل الصفر؛ جاء العالم الافتراضي الجديد ليفتح الباب على مصراعيه أمام كل صاحب قلم ليُعبّر عن نفسه.. ذلك ما يؤكده مؤسس صفحة «هايكو التأويل والمجاز» الدكتور فادي محمود؛ ويُضيف: ظهرت على الإنترنت عشرات المواقع الأدبية العربية التي تنشر كل ما يخطر في البال من أجناس الأدب وأنواعه إلا أنني سأتحدث عن المواقع التي اهتمت بجنس أدبي محدد هو الهايكو.. الهايكو الذي يعّد جنساً أدبياً مستقلاً بذاته جاء وافداً إلينا من اليابان وقد تبنته الأقلام الأدبية العربية بوصفه جنساً أدبياً قادراً على نقل أفكار ووجدان المواطن العربي. يقوم الهايكو – يردف محمود- على قصيدة مشهدية من ثلاثة أسطر يسير فيها الاختزال والتكثيف إلى حدّه الأقصى ما يجعله سهلاً ممتنعاً ساحراً وآسراً في الوقت نفسه.
أحدث الهايكو – في رأي د. فادي- طفرة في النشر وزاد عدد كتابه عن الآلاف؛ الأمر الذي استدعى تأسيس عشرات المواقع الأدبية المتخصصة به، وحملت أسماء عديدة كلها تحت جناح الهايكو. هذه المواقع كان لها هدف جمع الكتّاب تحت راية واحدة.. لكن تعدد المشارب والأهواء دفع نحو تأسيس مواقع متعددة منفصلة فقط من حيث مؤسسيها ومشرفيها لا من حيث أهدافها أو توجهاتها.. فلدينا اليوم: النادي العربي للهايكو، وهايكو سورية، وهايكو المغرب الكبير، والهايكو العراقي، والهايكو اللبناني، ونبض الهايكو، والهايكو الحر، وعالم الهايكو، ورواد الهايكو، ومختبر الهايكو، والهايكو المُترجم.. وتمتد القائمة طويلاً جداً، ورغم جديتّها، ورغم الجهود المبذولة التي لا يمكن نكرانها لمواقع مهمة كالنادي العربي للهايكو، ومؤسسه محمود الرجبي، ونبض الهايكو ومؤسسه علي القيسي، لكن رغم كل هذه الجهود؛ لم تستطع أي من الصفحات المذكورة سابقاً أن تدعي لنفسها غاية وهدفاً مختلفاً عن مثيلاتها، وكلها تعمل تحت شعار «جمع الأقلام» تحت راية واحدة لكنها في النهاية جاءت تكراراً لبعضها البعض حيث نجد أسماء الشعراء تتكرر في كل المجموعات بل إنهم ينشرون القصائد نفسها في جميع المواقع..
لا لـ«اللاءات العشر»
ويُضيف فادي محمود: يمكنني أن أتحدث عن تجربة مختلفة قليلاً وهي تجربة موقع مستقل أسسته منذ سبعة أشهر يُدعى «هايكو المجاز والتأويل»؛ لم يأت هذه الموقع تكراراً للمواقع السابقة، ولا نسخة طبق الأصل.. بل جاء بفكرة جديدة مفادها؛ أن الهايكو العربي مختلف عن الهايكو الياباني، ولا يُمكن أن تنطبق عليه الشروط الكلاسيكية اليابانية شبه التعجيزية بـ:(لاءاتها العشر) وأهمها: لا للمجاز والتأويل والأنسنة والذاتية، وعليه فإنّ هذا الموقع قد سمح بنشر نصوص هايكو مولفة وفق الطابع الخاص للغة العربية والإنسان العربي وموسيقاه الداخلية الخاصة وتسمح باستخدام المجاز والتأويل والأنسنة.. واجهنا صعوبات كثيرة في البداية أهمها تصدي بقية المواقع لفكرة التجديد في الهايكو وعدّوننا مارقين وخارجين عن القانون الافتراضي لمؤسسي فن الهايكو الياباني.. إلا أن الفكرة صمدت وأصبح للموقع حضور مهم في فضاءات الهايكو العربية.. نتمنى أن تخرج إلى النور مواقع مشابهة ذات رؤى محددة ومشروعات واعدة وليست مجرد استنساخات لما سبقها من أفكار.. لكن رغم التكرار والتشابه والاستنساخ؛ فلابدّ من التأكيد على أهميّة التعدد الثقافي الذي أتاحه العالم الافتراضي الجديد، وطفرة المعلوماتية التي ساهمت في إيصال صوت الجميع وإخراج النتاج الأدبي العربي من الدفاتر العتيقة إلى النور.
وقريباً من الرأي السابق؛ يعتقد وبقوة عصام زودي مؤسس صفحة «الهايكو المُترجم»: إنّ الروابط الأدبية أصبحت ضرورة بعد أن عرف البعض تطلعات الآخر في الفضاء الأزرق، ويرى أنّ معظم الكتاب متفقون على اللقاءات التي تأخذ الطابع القانوني والبيروقراطي وخاصة أولئك الذين لهم ميول ما تجاه نوع أدبي كالهايكو مثلاً. ومن ثمّ لا مانع أن يكون هناك رابطة لكلّ نوع أدبي في وطننا.. إذ في اللقاءات الأدبية نصبح أقرب من بعض كما حصل في المؤتمرات والندوات وحفلات توقيع كتاب الهايكو. حتى إن فكرة الترجمة باتت مطروحة أكثر وأكثر.
بعيداً عن الهايكو
نبتعد عن الهايكو ومجموعاته قليلاً؛ صوب مجموعة أثبتت حضورها في الكثير من التفرّد ولاسيما اهتمامها بأكثر من جنس إبداعي، وإن غلب جنس «القصة القصيرة جداً» على معظم ما يُكتب فيها.. إذ يذكر الدكتور زهير سعود الذي يُدير مجموعة الهرادبية للنصوص القصيرة، يقول وبثقةٍ مطلقة إن الروابط والمجموعات الأدبية المنتشرة على صفحات التواصل هي الأكثر استقطاباً وشعبية بين الأساليب المتعددة المتوفرة في هذا العصر. وذلك بسبب سهولة الاتصال عبرها وقلّة الكلف والقدرة على التفاعل والمشاركة، ليس بالقراءة وحدها، بل بتجريب الكتابة وإثبات الوجود أيضاً. حيث يكتشف كل متتبع لهذه الروابط تنامي وازدياد الإقبال عليها، وارتفاع عدد الكتّاب والمشاركين في التفاعلات الثقافية، وفي مختلف الفنون الإنسانية، كالرسم والنحت والغناء والموسيقا والأدب بكل أقسامه، فقد مكّن ذلك الإمكانيات المتاحة للكتابة والعرض واستخدام أشرطة الفيديو.
استطاعت الروابط والمجموعات الأدبية – حسب الدكتور سعود- بغض النظر عن مستوياتها والفوارق بينها من حيث الأهلية والاختصاص، أن تستحوذ اهتمام ومتابعة أعداد كبيرة من الكتّاب الذين يتزايدون يومياً في الإقبال على النشاطات الثقافية، فكثر عدد الروابط والمجموعات وتنوعت اهتماماتها لتشمل مختلف الفنون والأنواع والأجناس، وتمكنت من استحواذ اهتمام ومتابعة أعداد كبيرة من مختلف المستويات: المبتدأة والخبيرة في تلك الفنون. حيث وجد هؤلاء إمكانية سهلة ومريحة للتعبير عن ثقافتهم الخاصّة والمتميزة، في حين يطوّر البعض الآخر ملكاته بطريق المشاركة في القراءة والإطلاع والتعلّم ثم امتلاك بعض الخبرات للاندفاع في طريق المعرفة والإبداع والمشاركة بما أتاحته تلك المجموعات من ميادين للتنافس والتعامل مع النقد البناء الذي أسهم في رفع مستوى الكفاءات والمهارات الفردية والجماعية، كما نلحظه في مجموعتنا الأدبية «الهراديبية» وغيرها من المجموعات، ما جعل هذه المجموعات تعكس واقعاً ثقافياً تعبيرياً يتنامى باضطراد. ومن الملاحظ شيوع ظاهرة التعارف، وانتقال التواصل من الفضاء النظري الكتابي إلى العلاقات الاجتماعية الواقعية، من خلال عقد اللقاءات والمنتديات والتجمعات التي باشرتها تلك الروابط والمجموعات؛ يدفعني الأمر للقول بكل الثقة إن صفحات التواصل الاجتماعي شكلت دعوة وإمكانية متاحة لتشريع وشيوع أنواع إبداعية نشهدها على أرض الواقع، هذا إضافة لبناء علاقات ثقافية واجتماعية متعددة الغايات تتوزع بين الخاص والعام، وترفد الحركة الثقافية في المجتمع التواصلي المتمدد.
أختم هذه الاستطلاعات برأي صاحب مُبادرة حديثة نسبيّاً على الفضاء الأزرق، وهو الأديب مُفيد أحمد الذي أسس مؤخراً صفحة «الكتابة الجديدة»؛ إذ يقول: أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، هذا الوسط الافتراضي، مجالاً حقيقياً للاطلاع على المنتج الإبداعي بشكلٍ أوسع وأسرع، وذلك وفق أنماط من العلاقات فرضتها طبيعة هذه الوسائل، فتجربة الآخر أصبحت طوع رغبة من يريد الاطلاع عليها ومعرفة خصائصها، هذه الأنماط تقوم إما على روابط الصداقة الافتراضية المباشرة، وإما على الاشتراك في مجموعة أو مجموعات واحدة.. وقد يكون المنتج الإبداعي متاحاً للجميع من دون وجود العلاقة المباشرة.. هذه العلائقية – في رأي أحمد – لاشك لعبت دوراً مُهماً في عملية التثاقف بطيفها الواسع، من التأثير والتأثر إلى التناص… لكنها في رأيه لم تشكل رافعة حقيقية للمستويات الإبداعية، لم يفرز الكم كيفاً ابداعياً مُتميزاً، فمشاعية النشر على منصة هذه الوسائل لم ترق بالذائقة الفنية.. ويُضيف: لا شك في أن طبيعة هذه الوسائل أثرت بشكلٍ واضح في شكل وبناء النص المنشور، فالاتجاه نحو النصوص القصيرة من القصة القصيرة جداً إلى القصيدة القصيرة أيضاً إلى حد الومضة هو الطاغي، وهو الأنسب للقراءة الإلكترونية، إضافة إلى أن أغلب ما يُنشر هو منتج طازج لم يخضع للمراجعة كما النص الورقي، وهذا مقياس حقيقي للموهبة.. ويختم: كل ما ذكرناه يُمكن أن يُشكل أساساً لكتابة جديدة، لكن ما أرجوه ألا تكون موازية للسائد، بل مغايرة ويُمكن أن تتقاطع معه، وإلا لن تكون، وفي رأي مفيد أحمد؛ فإنّ الحامل المادي الجديد الإلكتروني للإبداع الذي شكّل بيئة حيوية جديدة أيضاً… والتغيرات الاجتماعية والسياسية، الاقتصادية والمعرفية لا بد من أن تنعكس في إبداع جديد قد لا يكون واسعاً، لكن لا بدّ من أن يكون مؤثراً.
تشريع ولم شمل
من وجهة نظري أختم هذا التحقيق الثقافي بالقول؛ إنّ الإبداع لا يحتاج لمن يُشرّع له إلا استمراريته وحركته اللتين لابدّ من أن تكونا في اتجاهٍ تصاعدي.. وفي مجال القصة القصيرة جداً؛ فقد تبيّن لغير باحثٍ، أنّ هذا «الفن» له جذوره البعيدة جداً في مدونة السرد في مختلف مناطق العالم.. ولذلك واهمٌ من يدعي اليوم؛ أنهُ اكتشف الغابات البكر.. يُمكن للمهتم أن يقرأ نصوصاً كاملة الملامح وبالمعايير الحديثة للقصة القصيرة جداً في النصوص السورية القديمة، يعودُ بعضها لأكثر من ألف سنة قبل الميلاد، ومن يعود اليوم لأمثولات «إيسوب» في الزمن اليوناني القديم، فإنّ تلك الأمثولات الأسطورية التي سردها على ألسنة الحيوانات والطيور؛ هي نصوص قصة قصيرة جداً كاملة المعايير الفنية.. وفي الأزمنة الحديثة، فقد شدد أرنست همنغواي على الكتّاب سنة 1944م في أحد المنديات الأدبية بقولهِ لهم: اكتبوا قصةً بست كلمات.. ومنذ زمنٍ مُبكر جداً؛ اشتهر الكاتب الروسي أنطون تشيخوف بكتابته القصة التي تتألف من إحدى وخمسين كلمة – قصة الثروة على سبيل المثال- وإلى اليوم يعد النقاد الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيروسو (1921م- 2003م) صاحب أقصر قصة في العالم: «حين استيقظَ؛ كان الديناصور لايزالُ هنا..» وهي قد تكون بغير مُسمى غير أنها الأكيد؛ قد أمست اليوم فناً عالمياً.. فهي المايكرو في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الفلاش باك في أمريكا اللاتينية، وفي روسيا هي المنمنمات، وهي قصة الكف في الصين.. أسوق هذا البعد التاريخي للقصة القصيرة جداً لأجيب بعد ذلك؛ هل يحتاج هذا النوع الإبداعي لـ «تشريع»؟؟!. أمّا مسألة «لم الشمل» فيُمكن للمرء أن يقف عند تجربة (رابطة القصة القصيرة جداً في سورية)، وغيرها من الروابط التي بتقديري لها أسباب تشكلها، وذلك نظراً لندرة المنابر المحلية التي تحتفي بالإبداع، كما لم تتوفر إلى اليوم في سوريّة دور النشر التي تحتفي بالمبدعين وتنشر نتاجهم الإبداعي أيّاً كان نوع الإبداع، فما بالك بجنس القصة القصيرة جداً والهايكو اللذين يُعاملان معاملة اللئام للأيتام في دور الثقافة العامة ولاسيما في الاتحاد – المتحفي المدعو اتحاد الكتاب العرب.
أعود لرابطة القصة القصيرة جداً في سورية، التي هي نتاج ثمرة تعاون بين رئيس الرابطة الدكتور محمد ياسين صبيح، الذي كان دعا لإنشائها أواخر سنة 2013م، وبيني حينما كنت أقيم فعاليات الملتقى السوري للقصة القصيرة جداً منذ سنة 2011م، وذلك بهدف ضم المهتمين بهذا الجنس الإبداعي لإيجاد قواسم مُشتركة حول آلية تطوير تقنيات هذا النوع من السرد القصصي الذي يُلاقي اليوم شعبية واتساعاً في مساحة الكتابة والنقد والتلقي.. القصة القصيرة جداً التي وفرت لها الرابطة فضاءات رحبة سواء الفضاء الإلكتروني، أو في الميدان من خلال النشر الورقي والصحفي؛ نصوصاً ونقداً وملتقيات، فعلى الفضاء الإلكتروني كان ثمة صفحة فيسبوك باسم «رابطة القصة القصيرة جداً في سورية» وعلى أرض الواقع أقامت الرابطة الكثير من التظاهرات والمتلقيات والأماسي.. توّج كل ذلك بإصدار كتابها الدوري الأول (أشرعة من ضوء) الذي سيكون دوريّاً بمنزلة الكتاب السنوي الذي يحتفي بأفضل نصوص أعضاء الرابطة..
وهنالك الملتقى السوري للنصوص القصيرة (هايكو وقصة قصيرة جداً) الذي يُقيم ملتقيات دورية لهذين الجنسين الإبداعيين في أكثر من محافظة سورية.

print