يعوم المسؤولون الأمريكيون على بحر من الكذب «الاستراتيجي» حيث يتظاهرون الآن بالبحث عن وسطاء لفتح حوار مع القيادة الإيرانية لإنهاء التوتر الذي وصل إلى ذروته في الأسابيع القليلة الماضية مع وصول حاملة الطائرات «لنكولن» وقاذفات «بي 52» إلى الخليج وتكثيف العقوبات العدوانية على الشعب الإيراني.. كما بدأت حالة استعطاف الرأي العام العالمي مما يسمى «الخطر الإيراني» الذي جعلهم يرفعون حالة التأهب «مع شركائهم البريطانيين» مع إصدار تحذيرات للمواطنين الأمريكيين من التوجه إلى العراق ودول المنطقة وتقليص عدد الدبلوماسيين غير الضروريين.. إضافة إلى اجتماعات القيادات العسكرية مع أعضاء الكونغرس «لشرح أبعاد التهديدات الإيرانية» في محاولة لتغطية «السموات بالقبوات».. ذلك لأن من يخشى من الخطر لا يقطع آلاف الكيلومترات بمعداته الحربية، ويطلق التهديدات ويبالغ بالعقوبات.
لقد بات الجميع يعلم بأن إيران لا تهدد أحداً، وهي ملتزمة بشكل مطلق ببنود الاتفاق النووي الذي وقعته مع دول «الخمسة+ واحد» وشاركت وتشارك في مكافحة الإرهاب «القاعدي- الوهابي- الداعشي» وتدعو إلى الحوار مع السعودية ودول الخليج حرصاً على الأمن الإقليمي والدولي الذي بات ألعوبة بيد إدارة ترامب.
إن ترامب الذي أكثر من تصريحاته بأنه لا يريد إشعال الحرب مع إيران، ويستقدم الرئيس السويسري إلى البيت الأبيض للتوسط بشأن فتح حوار مع إيران يدرك تماماً أن عملية الحوار لا يمكن أن تبدأ قبل أن يتراجع هو عن العقوبات والتهديدات و«العنتريات» التي وضعت المنطقة على فوهة بركان يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
لا أحد في المنطقة أو في العالم من العقلاء يريد الحرب لأن نار الحرب إن اشتعلت فإنها ستأكل الأخضر واليابس وقد تبدأ ببعض ممالك ومشيخات الخليج التي تحرّض أمريكا على شن العدوان.. وأن الخسائر التي يمكن أن تلحق بإيران لن تكون أقل من الخسائر التي ستلحق بالمعتدين.
فميزان الحروب لم يعد يخضع فقط للقدرات العسكرية التي كانوا يحسبونها بعدد الجنود والدبابات والطائرات وقطع البحرية وإلا لما انهزمت أمريكا في فيتنام وأفغانستان والعراق وفي معظم الحروب التي أشعلتها.. ولهذا كله على الأمريكيين قبل غيرهم أن يعيدوا الحسابات وأن يكفوا عن الكذب والتباكي على أخطار اخترعوها.. فقد مل العالم من أكاذيبهم واستفزازاتهم وعقوباتهم والتي سترتد نتائجها عليهم وعلى حلفائهم وأذنابهم.

print