لم يعد مستهجناً اتكاء عدد من أعمال الدراما السورية على المشاهد الفارغة، تلك التي لا تفعل شيئاً عدا عن كونها دقائق إضافية، تُحتسب من زمن العمل المفروض «ثلاثين حلقة»، حتى صارت «المطمطة» في الأحداث، مطباً أفقد مسلسلات كثيرة توازنها. لكن ,على عكس الدراما، اتجهت معظم الفنون نحو التكثيف والإيجاز، لنقرأ مثلاً القصة القصيرة والقصيرة جداً على حساب الرواية، وهو ما ينطبق أيضاً على القصيدة التي لا تتجاوز عدة أسطر، وهي الدارجة اليوم بعيداً عن نظيرتها الطويلة، فهل يعد هذا التكثيف بما يتضمنه من ترميز وإيحاءات، بحثاً عن إبداع جديد عبر محاولة إدهاش المتلقي، وإن جاء لحظياً أو مباشراً؟
يقول الأديب د. نزار بني المرجة صاحب «أفراح الحزن القارس» في حديثه لـ «تشرين» إن التكثيف والتضمين لا ينفصلان عن التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة نتيجة المثاقفة والعولمة، وعصر انفجار ثورة المعلومات وصولاً إلى طغيان وسائل التواصل الاجتماعي التي أدت كلها إلى انتقال المجتمعات إلى نمط حياة التسليع أو النمط الاستهلاكي الذي بات يستهلك أرواحنا وأوقاتنا، وكان من أولى نتائج هذا الوضع، الانتقال إلى أنماط أدبية وفنية مبتكرة فرضها ذلك الواقع المعقد الذي كان الوقت والأعمار في طليعة ضحاياه.
وفي النتيجة يقول بني المرجة: «كان لابد للأديب أو الفنان من أن يلجأ إلى أقصر وأسرع التقنيات الكفيلة بإيصال إبداعه إلى أوسع شريحة من المتلقين، وهذا ما يُفسر ظهور وانتشار القصة القصيرة جداً و شعر الومضة أيضاً، ليكون ذلك على حساب استرسال السرد، وتالياً أصبحنا أمام بدء تراجع للرواية والمطولات الشعرية، ولنكون في واقع الأمر أمام رسائل إبداعية قصيرة، ربما وجدت أن من عوامل النجاح المهمة اليوم اللجوء إلى التكثيف والإيجاز».
هذا الربط بين ما أصبحت عليه فنون عدة وكيفية تحولها، ذهب إليه الأديب أحمد يوسف داوود أيضاً، وهو الذي نال جائزة الدولة التقديرية في مجال الآداب عام 2013، فهو يرى أنه «بصرف النظر عن التفصيل في تاريخ العلاقات والنتاجات الأدبية والفنية للعرب بالحداثة وما بعد الحداثة، فإنهم يحتلون موقع (التابع السلبي للغرب) من دون أي تحفظ!».
غير أن أهم ما طُرحَ في إطار هذا الوضع الجديد هو (العَولمة) التي تتمثل أسوأ مخاطرها في هدر الهويات القومية للشعوب وتالياً، يضيف داوود: «هدر السيادات الوطنية وهدر الثقافات واللغات القومية باعتبارها جميعاً حوامل للهويات في العالم، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالحرب عليها من داخلها والعمل على تجهيل أصحابها وإفساد عقولهم ومعارفهم وأحوالهم وذائقاتهم الثقافية والفنية جملة وتفصيلاً، وهو يأتي عبر عمليات طويلة ومستمرة لزمن مفتوح أو أزمنة مفتوحة، وبالتزامن مع الحروب العادية والحروب الاقتصادية وغير الاقتصادية المفتوحة التي تشهد منطقتنا العربية وشرقنا الأوسط أشرسها وأكثرها ضراوة ووضوحاً. وقد رأينا الضخ الإعلامي الهائل ونتائجه فيما سمي (الربيع العربي) كما نرى ما قدمته وتقدمه الأعمال الدرامية العربية في هذا الاتجاه، ونرى أيضاً مستويات الأغلبية من نماذج ما يمكن أن يسمى (الأدب الفيسبوكي) ومدى ما فيه من تردٍّ ورداءة وجهل على كثرة ما يُحاط به من دعاية وادعاءات تصل إلى حد منح شهادات كـ(الدكتوراه الفخرية) لناسٍ شبه أميين من جِهاتٍ مجهولةٍ كلياً وتالياً هي مجهولة الغايات والأهداف ومصادر التمويل».
ويؤكد داوود أنه في رأيه هذا لا يعمِّمُ إطلاقاً ولا يتّهم كُتّاباً ولا حتى (أدعياء كتابة) بعينهم أو نتاجات بأشكال محددة أو معينة، بل يشير إلى ما يمكن أن يكون (وراء الأكمة)، لأن «التجريب حق لا يرفضه إلا أصحاب العقول الجامدة أو المنحرفة. وإنما هو يشير إلى مخاطر محتملة وإلى وعي عام وفردي مطلوب إزاء ما يجري في مستوى عالمي وينعكس بسلبية غير مسبوقة في مجتمعاتنا العربية والشرق أوسطية على وجه الإجمال»
ويرى الروائي حسين ورور صاحب رواية «باب العبيد» أن المسألة لا تتعلق بالتكثيف كحالة، بقدر ما أننا نعيش في عصر يتسارع فيه كل شيء، «لذلك هناك أمور أبعد من ذلك ترتبط بالتطور أو سمة الحداثة، فالعالم كله ينتقل إلى منجزات لم تكن تخطر على بال في مجالات العلم والتكنولوجيا, ناهيك بالعلوم الإنسانية التي كان للغرب دور في دفعها إلى العالم كله بوساطة تقنيات العصر ووسائل الاتصال والفنون والصورة، وقد أولى ذلك أهمية كبيرة، بهدف السيطرة على مقدرات العالم وتنفيذ أجندات مرسومة من قبل الغرب سلفاً».
ويشير ورور إلى أن واقعنا «السلحفي» واجه ذلك في مجال الأدب بردود فعل لم تكن غبية بل كانت تتقاطع مع قدراتنا على المواجهة، هنا وُلد التكثيف الذي لم نبدع فيه، فقد سبقنا العالم إلى القصة والقصة القصيرة والومضة والهايكو، مضيفاً: نحن لم نبدع ما هو جديد في هذه المجالات بل أخذناها جاهزة لنضيف إلى سماتنا توصيف أننا «نستهلك ولا ننتج»، وفي الأدب قلدنا ولم نبدع أشكالاً تميزنا عن الغرب الذي نتحدث عن إنجازاته، أما الرواية فهي تقليد ليس جديداً علينا، ونرى كل يوم إبداعات جديدة في هذا المجال، كما نرى أكثر من جهة تدعم الرواية بالنشر والجوائز وغيرها. بعد هذا يقول ورور إن سؤالنا يحتاج حقيقة ورشة متخصصة من نقاد ضليعين.
أما عن أشكال الأساليب في الأداء التعبيري الأدبي، فهي على حد توصيف داوود صاحب رواية «حكاية من دمشق» تمتلك من جهة حق التجريب، كامل المشروعية، وفي حال سوء القيمة فنياً وفكرياً: قد تصب في خانة (الحرب العولمية)، وهذا ينطبق على كل أشكال الأدب جديدة كانت أو قديمة.
ويؤكد: إن الأشكال بذاتها ليست مقدسة، وحين تكون (عيّناتُها) قاصرة عن قضية الاستجابة للتحديات الحضارية المطروحة تسقط بصرف النظر عن الأشكال رواية كانت أو (قصة قصيرة جداً)، وقصيدة ملحميّة كانت أو (ومضة)، وفي شكل قصيدة قديمة أو قصيدة تفعيلة، أو قصيدة نثر، المهم وحده هو الجودة الفنية وقوة الاستجابة لما هو مطروح على مجتمع المتلقين من تحديات أما الحكم في ذلك فهو للنقد الموضوعي وحده لا لسواهْ!».
لكن ومع غياب هذا الشكل من النقد لمصلحة توصيفات أخرى، يجوز, والكلام لـبني المرجة- حائز وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2006, «أن نعد هذا التطلع نحو التكثيف «مظهراً من مظاهر التكيف في وسائل التعبير مع واقع ضاغط بقوة عبر تقنيات تواصل تتطلب بالضرورة البحث عن أشكال فنية تتسلح بالدهشة والابتكار، وتقارب لغة الرسائل النصية القصيرة السريعة الهضم والاستيعاب والسريعة الوصول في آن معاً، لضمان قدرتها على أن تبقى عالقة في ذاكرة المتلقي الذي يعاني هو أيضاً ضغوط نمط الحياة الاستهلاكي وقضية هروب الوقت واستهلاك العمر لحساب قضايا معيشية باتت تسحق إنسانية الإنسان وتصادر كل تطلعات وأحلام وجماليات الحياة».
هذا التطلع مشروع في رأيه عبر اعتماد تقنيات ومضامين مدهشة لجذب وكسب أوسع شريحة من المتلقين، من خلال ملامسة همومهم ومعاناتهم والتعبير عنها بأساليب فنية مبتكرة قادرة على تطويع وتوظيف ما يستجد في حياتنا من تقنيات التواصل وطرائق التعبير.
بدوره يرى ورور, وهو الحائز جائزة دمشق للرواية العربية عام 2016 على روايته «قابيل السوري» أن ولادة الأشكال الجديدة في الأدب والفن تشبه مولوداً جديداً، لا يُسأل عادة عن سبب بكائه لدى قدومه إلى الحياة، وكل ولادة جديدة تبدأ بالتعجب والتساؤل وبشيء لم يكن يتوقعه أحد، وقد يظهر بداية استنكار لهذا الشيء أو تهيّب منه أو خوف منه أو عليه، كل شيء جديد هو مسألة حداثية بشكل أو بآخر، وهناك من يقف على الضفة الأخرى المضادة لما هو غريب عليه أو لما يكون موازياً أو مطابقاً للسائد أو مخالفاً له أو منحرفاً عنه، ففي الأدب بخاصة وعندنا تحديداً ولدت من رحم إرهاصات العصر الذي نعيشه حاجة أو ضرورة, فكان الاتكاء على ما هو موجود للمتابعة أو البناء عليه، وفي أحسن الأحوال اجتراح الجديد كإبداع يضاف إلى ما هو منجز.
في المحصلة، يُوجز ورور بأن التكثيف- ونحن في هذا الوضع- مسألة ملحة ستلاقي الكثير من الحواجز، ورأينا بل ولمسنا الإصرار من قبل مبدعينا على تخطي وتجاوز هذه الحواجز، وتبني وتقديم تجارب متعددة في الومضة والهايكو والقصة القصيرة جداً، لنلمس أيضاً ًأن مبدعينا ليسوا أقل شأناً ممن ابتدعوا هذه الأشكال الأدبية.
ومن خلال متابعته لما يصدر وما يقابله من آراء ونقد، فهذا على حد تعبيره سيكون أساساً وتأسيساً قوياً لهذه الأشكال الأدبية المكثفة، ولاسيما أن نسبة المتابعين لها في ازدياد من دون أن يؤثر ذلك في الأشكال السائدة التي لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي تصب فيه الآن هذه الأشكال الجديدة.

print