تَفترض العولمة أن الحروب التي تنتهك استقرار العالم في الحاضر، ليست من صنعها، لا بل إنها تقف على طرفي نقيض مما تُتهم به، والبرهان قائم بالسهولة التي وفرتها في مجالات شتى أهمها سرعة التواصل التي ألغت الحدود التقليدية بين الشعوب، ما جعلهم في حوار دائم بكلّ نواحي المعرفة والحياة العامة، وإن كان هذا البرهان يحتمل الصواب، فإن الخطأ الذي يأتي من ديماغوجيته يُهجِّن في مخابره السرية أخطبوطاً تمتد أذرعه المخصبة لتطول رقاب الجميع تحت ذرائع مجهرية في تكونها الأولي، لكنها ذات همة سرطانية في المستقبل أخطر بكثير مما نعيشه الآن إذا لم تتم، وبالسرعة الكلية، معالجة الجسم الدولي بالعدالة، لكن العدالة تَفترض لتحقيقها قانوناً يلغي عنجهية تفوق أي فرد أو مُركب اجتماعي أو إقليمي على الآخر لإنجاز مساعيها الحميدة، المساعي الحميدة – أيضاً- تَفترض وجود من يؤمن -جمعاً- قبل دخوله لقاعة الاستشفاء بأن «رأيه صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب». ما دامت المصلحة الإنسانية العامة تقتضي إحلال السلام، السلام لن تستطيع قوانينه أن تَفترض أنها قادرة على رعاية مصالح الأخطبوط من خلال الحوار الذي تتيحه العولمة، والأخطبوط أيضاً لن يفترض وجوده خارج الحروب المنظمة – تاريخياً-من قبل رجالات السلطة والمال الذين لن يسمحوا للعولمة بأن تمارس مهامها بعيداً عن «الفوضى الخلاقة» التي تتيح لأي حوار بأن يكون ناجحاً مادام الطرف الآخر بعيداً عن وعي ذاته الإقليمية، القومية، الاجتماعية، الفردية والإنسانية، وهذا لن يدفعنا لافتراضٍ جنائي يتهم «العولمة» بأنها هي التي تعزز قيم الأخطبوط في حياتنا العملية والنظرية، وإنما الجناية الحقيقية هي في تقبلنا المطلق لجهل «الذات» الذي يفترض وجوده من خلال عدّ الرأي الآخر خطأً في المجمل، بينما فرضية الصواب تكمن في عدم تعصبنا المطلق لما نظن أنه قادر بالثبات على حماية هويتنا الثقافية. وعي الذات مطالب قبل كل شيء بالاعتراف بأن الآخر رأيه خطأ يحتمل الصواب لتشكيل هوية قومية قادرة على إنتاج ذاتها بالشكل الذي يضمن صيرورتها في كل العصور، وهذا جلّ ما يخشاه الأخطبوط.

print