في مطلع الشهر الحالي وتحديداً في العاشر من أيار، قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيادة التعريفة الجمركية على البضائع الصينية المستوردة إلى الولايات المتحدة، بقيمة حوالي 200 مليار دولار، من 10 ٪ إلى 25 ٪ وهو إجراء لا معنى له على الإطلاق، حيث يمكن للصين أن ترد بالمثل على الولايات المتحدة، وانتقامها في هذه الحالة سيكون أقوى بكثير مما قد يحمله تأثير العقوبات الأمريكية الجديدة عليها، لأن هذه التعريفات التعسفية، وبغض النظر عن عدم شرعية الولايات المتحدة في فرضها، تهدف بالدرجة الأولى إلى دفع الشريك التجاري الرئيسي للولايات المتحدة (الصين) بعيداً.

إن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب بالكاد ستضر المستهلك الأمريكي، وهناك هوامش ربح ضخمة من قبل وسطاء الولايات المتحدة والمستوردين للسلع الصينية، فهم يتنافسون مع بعضهم البعض داخل الولايات المتحدة – وربما لا يلاحظ المستهلك ذلك.

ورغم ما تم ذكره سابقاً، فإن الاقتصاد الأمريكي سوف يعاني على الأرجح، لاسيما من الإجراءات الانتقامية الصينية إن حدثت.

ويبدو كما أشار معظم المحللين السياسيين أن الطفل المدلل ترامب أضل البوصلة، فهو متسرع وانفعالي، ولا يعرف تماماً ما يفعله، ما سيورط الولايات المتحدة بقضايا لم يحسب ترامب ردود أفعال الدول تجاهها.

وبالعودة إلى التجارة مع الصين، نجد أن الصين لديها الكثير من الطرق للرد على الولايات المتحدة، حيث يمكنها أن تقلل من قيمة عملتها مقابل الدولار، أو أن تتخلى عن بعض احتياطياتها التي تبلغ قيمتها نحو 3 تريليونات دولار في سوق المال، مع الأخذ بالحسبان  هيمنة  الدولار الذي يعاني من عدم الاستقرار والابتعاد عن التعامل به  في المعاملات التجارية الدولية.

ومن الناحية الافتراضية، يمكن للصين أن تتوقف كلياً عن تصدير معظم منتجاتها التي يحبها المستهلكون الأمريكيون ـ لفترة قصيرة ـ وعن صنع أجهزة الآيفون للسوق الأمريكية، أو يمكن للصين فرض تعريفات عالية على الواردات الأمريكية، أو وقف واردات الولايات المتحدة إليها.

وباعتبار الصين جزءاً من منظمة شنغهاي للتعاون، وفي الواقع الشريك المؤسس لها، فإن لديها العديد من البدائل لتغطية طلبها، ولا حاجة لها للاعتماد على الغرب.

هذا وتعد الصين واحدة من الأعضاء البارزين في منظمة شنغهاي التي تضم في عضويتها كل من روسيا والهند وباكستان ومعظم آسيا الوسطى وإيران التي تستعد للحصول على عضوية كاملة في المنظمة، حيث تغطي الصين حوالي نصف سكان العالم وثلث الناتج الاقتصادي العالمي، ومن هذا المنظور يمكن التأكيد أن الصين لا تعتمد على الغرب من أجل البقاء.

ووفقاً لدراسة أجراها مركز أبحاث السياسات الاقتصادية، تسببت العقوبات الأمريكية غير القانونية بما فيها القيود على الواردات بإفقار الدول، و بوفاة الكثير من المدنيين الأبرياء، ما يؤكد أن واشنطن لا تكترث بالشرعية وتعتمد على منطق القوة للحفاظ على مصالحها، وهي لا تحترم القوانين والأنظمة ولا تكترث بحياة الشعوب أو تراعي حقوق الإنسان.

يتعين على المرء فقط أن يرى أي نوع من المرضى النفسيين يشغلون مهام “وزير الخارجية” و”مستشار الأمن القومي” أو نائب الرئيس في هذا الصدد – إنهم جميعهم مرضى أصبحوا يشكلون خطراً على العالم.

إن مهاجمة إيران كان حلم بولتون منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كما أن بولتون وبومبيو من نفس النوع المثير للاشمئزاز، إنهم يريدون حروباً أو صراعات، وفي حال لم يخوضوا حروباً فإن هدفهم الأول هو بث الخوف بين الناس، لكنهم لم ينجحوا في فنزويلا.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد صرّح بومبيو “بأن إيران قامت بأشياء غير قانونية لذلك يجب معاقبتها بفرض المزيد من العقوبات عليها”، مع العلم أن العالم بأسره، بما في ذلك لجنة الطاقة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة التي تتخذ من فيينا مقراً لها، يعلم بأن إيران قد التزمت بالكامل بشروط الصفقة النووية التي خرجت منها الولايات المتحدة قبل عام، ومع الأيام قد تتحول مجموعات الاتحاد الأوروبي ـ كما يرى بعض المحللين السياسيين ـ إلى خدمة  مصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل” التجارية الخاصة، بعيداً عن التزامها بالأخلاقيات السياسية.

والسؤال: هل تخشى واشنطن مع استمرار تهديداتها لإيران من قيام الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز، حيث يتعين على 60٪ من واردات الولايات المتحدة من النفط الإبحار، مما يؤدي إلى كارثة ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة ولكن أيضاً لبقية العالم، ولاسيما مع ارتفاع أسعار النفط، فهل تريد واشنطن المجازفة بحرب لا منطقية؟

من وجهة النظر الأمريكية، إن نقل حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لنكولن، المحملة بطائرات حربية، بالقرب من المياه الإيرانية تكلف الولايات المتحدة مئات الملايين أو المليارات من الدولارات، لكن تكلفة الحرب ليست مهمة – إنها مجرد ديون، وكما نعلم، فإن الولايات المتحدة لا تسدد ديونها أبداً، والأهم أن ذلك يشبع رغبة الإدارة الأمريكية في إثارة القلق والفوضى بين المدنيين.

ونحو احترام خطة العمل الشاملة المشتركة، أو الصفقة النووية تمسك الصين وروسيا بالفعل بالصفقة، ولا تتأثران بتهديدات واشنطن.

ويرى معظم المحللين السياسيين أن الدولار هو الأداة الرئيسية للهيمنة على العالم، لقد توقفت فنزويلا وإيران عن استخدام الدولار في عملياتهما المتعلقة بالهيدروكربون، والتجارة الدولية الأخرى منذ بضع سنوات، وكذلك الصين وروسيا، كما تستحوذ عملة الصين القوية اليوان على مركز احتياطي الدولار الأمريكي في العالم.

إن كلاً من الدول الثلاث، الصين وإيران وفنزويلا، تهدد الهيمنة العالمية للدولار الأمريكي،  ولعل نظام الدولار المستخدم في جميع أنحاء العالم ليس سوى مخطط ضخم ولا أخلاقي، يجب أن ينهار يوماً ما، ولن تنجح حرب التجارة والتعريفات، وتهديدات الحروب والدمار و”تغيير الأنظمة” التي تطلقها واشنطن بين الحين والآخر، فالعالم يعرف ما يجري و بات يعلم أكثر من أي وقت مضى أن الولايات المتحدة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

وعلى الرغم من أنهم لا يجرؤون على قول ذلك لكنهم يعرفونه وينتظرون استمرار السقوط، فإن العالم ينتظر العيد الكبير والرقص في الشوارع عندما تختفي الإمبراطورية الأمريكية.

 

 

print