الصراع حول السلطات في الولايات المتحدة متجذر في كل الإدارات المتعاقبة التي مرت على البيت الأبيض، وهو يعكس طبيعة النظام الذي يمنع تمركز السلطة، لكن ومع وجود رئيس متهور كدونالد ترامب، تمر العلاقة بين المؤسسات الدستورية الأمريكية في لحظة اختبار تاريخي، وصفتها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بأنها غير اعتيادية بتحدياتها، فيما وضعها آخرون في خانة المرحلة الخطيرة، هي مرحلة غير مسبوقة ومفتوحة على المزيد من التدهور الذي يهدد عصب التركيبة الدستورية لمؤسسات الدولة.
الصراع السياسي المندلع بين البيت الأبيض وخصومه منذ مجيء إدارة ترامب، شهد نقلة نوعية في الأيام الأخيرة، أثارت مخاوف جدّية في صفوف الدوائر والأوساط السياسية والفكرية الأمريكية، انتقل من الخطاب الموتور إلى ما بدا أنه بداية صدام كاسر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية المتمثلة بمجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، وهذا الصراع في طريقه إلى المحاكم كطرف أخير لفض الاشتباك.
أخذت الأمور هذه الانعطافة الحادة بعد صدور تقرير المحقق روبرت مولر، صياغة التقرير التي بدت ملتبسة، تركت فجوات للاجتهاد رأى فيها فريق الرئيس بقيادة وزير العدل وليام بار، شهادة على براءة ترامب من تهمة إعاقة سير العدالة أثناء تحقيقات مولر، وزعم الوزير أنه استند إلى نص يعطيه صلاحية تفسير ما تركه مولر معلقاً وقضى بأن التقرير لم يُدِن الرئيس.
خصوم الرئيس رأوا أن المحقق نأى بنفسه عن إدانة ترامب وأحال أمر البت بها إلى الكونغرس لأنه لا يقوى على توجيه هذه التهمة للرئيس، على إثر ذلك تأزم الخلاف وبدا أن الوزير بات يمسك بزمام المبادرة لإغلاق الملف، رد مجلس النواب باستدعاء عدد من المسؤولين السابقين والحاليين للمثول أمام لجانه المعنية للإدلاء بشهاداتهم حول الموضوع، كما صدرت استدعاءات أخرى لتسليم النسخة الأصلية لتقرير مولر والبيانات الضريبية للرئيس وتقديم الوثائق اللازمة لغرض التحقيق.
النظام الأمريكي ينهض على التوازن بين السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، كل واحدة تلعب دور الرقيب على الأخرى، صلاحيات السلطة التنفيذية الواسعة توازيها صلاحيات السلطة التشريعية الكبيرة لكبح الرئاسة، لكن هذا على الورق فقط، في زمن ترامب المتمرد على هذه الصيغة وضوابطها، انفجرت حرب الصلاحيات، مجلس النواب يستجمع أوراقه لتأكيد دوره، لكن البيت الأبيض يراهن على صلاحياته التنفيذية القوية لعرقلة إجراءات الكونغرس وبما يكفل شراء الوقت، عبر إجبار الخصم على اللجوء إلى القضاء.
فالمقاضاة في هذه الأمور تستغرق وقتاً طويلاً وبما يؤجل الحسم ربما إلى بداية العام القادم، بشكل تطغى على الساحة حينها الحملة الانتخابية كأولوية، أو ربما يرى القضاء أن هذه مسألة سياسية يفضل النأي عنها وتركها للحل بتسوية بين الفريقين، عندها يتقرر مصير هذا الملف في الانتخابات التي لو كسبها ترامب وفاز بتجديد رئاسته، لتحوّلت أمريكا إلى ما يشبه «ملكية دستورية» حتى نهاية الولاية الثانية لترامب إن فاز فيها بالفعل.

print