سنحاول تلمس أسباب تفاؤلنا وربما تفاؤل الكثيرين من جمهور الدراما السورية خلال هذا الموسم الرمضاني بمسلسل «مسافة أمان» الذي تعرضه فضائية «لنا»، للكاتبة إيمان السعيد والمخرج الليث حجو, فعلى الرغم من أن مسلسل الكاتبة إيمان «سحابة صيف» الذي عرض منذ حوالي عشر سنوات، قد يكون غائباً عن ذاكرة الكثير من المشاهدين، لكنه قدّم شخصيات وأحداثاً ومواجع لامست شرائح اجتماعية عدة. ولمسنا فيه مهارة الكاتبة في رسم شخصياتها، فمن حضر «سحابة صيف» لا يمكن أن ينسى على الأقل ثنائية سمر سامي وبسام كوسا في شخصيتين فلسطينيتين، مميزتين.من دون أن ينسى الشخصيات التي جسدها: أحمد الأحمد، ريم علي، سلوم حداد، نادين خوري، ديمة قندلفت، محمود نصر، ومن جسّد أيضاً الشخصيات العراقية التي حضرت في المسلسل. ذلك ما يجعلنا نتفاءل بقدرة الكاتبة على جذبنا لمتابعة «مسافة أمان» الذي تجسده شخصيات عدة وبخيوط درامية متنوعة وأحداث تجري في السنوات الأولى لهذه الحرب. وما يجعلنا نتفاءل أكثر، ما للمخرج الليث حجو من رصيد لدى جمهور الدراما بخاصة ما تركه من أثر فيهم مسلسل «الندم»، وقبل ذلك مسلسل «ضبوا الشناتي»، ولا يزال مسلسل «الانتظار» يُتابع كعمل طازج لم يفقد شيئاً من بريقه الإبداعي. فالليث يتقن اختيار فريق تمثيله ويحسن إدارتهم.
الخوف يسيّرنا!
اختارت الكاتبة إيمان السعيد شخصياتها من مستويات عدة متعلمة وغير ذلك، فقيرة وغنية، ومن بيئات مختلفة. وقد نسجت كل ذلك على مقولة، فيها ما فيها من تناقض، إذ قالت على لسان الراوية (شكران مرتجى) الحاضرة بشكل غير طفيف: «الخوف يتحول بيننا وبين الآخرين لمسافة الأمان الوحيدة التي نعيشها». فالخوف يكاد فعلاً هو الذي يتحكم أو يسيّر حيواتنا، ولن نذهب بعيداً في مناقشة ذلك، لأنه من الأفضل تأجيله إلى ما بعد انتهاء حلقات المسلسل.
تنوع الخوف لدى الجميع لكن الجوهر هو ذاته، وهو يلامسنا كمشاهدين كما لامسنا «الانتظار»، ولعل هذا من أسباب تبني حجو العمل إخراجياً. الحدث الأساسي المحرك للمسلسل هو خطف نادر / مأمون الفرخ، زوج الطبيبة / سلافة معمار، من قبل مجموعة إرهابية وطلبهم منها أن تضع حقيبة فيها غازات سامة، تُفجّر عن بعد، في قاعة مؤتمرات في المستشفى الذي تعمل فيه، مقابل الإفراج عنه، ومحاولتها الرضوخ لطلبهم، إلاّ أنها تراجعت وغلّبت حياة وأرواح الآخرين على حياة زوجها، فأخبرت السلطات الأمنية التي فككت تلك الحقيبة المفخخة. وفي الحلقة الخامسة ستبدأ معاناتها من خوف آخر إذ حضرت شقيقة زوجها (هيمى اسماعيل/ العائدة للعمل الفني بعد سنوات طويلة من الغياب) من المهجر لأخذ الطفل ابن شقيقها والخائفة أيضاً من خسارته بعد خسارة أبيه. وخوف الطبيبة الأم سيحرك أحداث العمل بشكل شائق. والتوازي مع هذا الخوف ثمة خوف تعيشه شخصية أخرى تجسدها كاريس بشار التي تعيش هي وابنتها الجامعية، من أن تخسر الالتحاق بزوجها المهاجر (جلال شموط) الذي يجهد في تأمين لمّ الشمّل لهما، وإحساس الزوجة بالوحدة والفقدان قد يأخذها في علاقة عاطفية مع الجار عبد المنعم عمايري الذي تخاف زوجته (نادين تحسين بك) من خسارتها فرص الإنجاب، وتجهد في العناية بوالدتها المريضة بالزهايمر (سوسن أبو عفار). وعلى خط الخوف أيضاً هناك خوف الأم (وفاء موصللي) على مصير ابنها المخطوف الذي لا تعلم عنه شيئاً، خطف تحمّل مسؤوليته لابنها البكر العاطل من العمل، كما نرى ابنتها (هيا مرعشلي) المدرّسة التي اعتنت بابن الطبيبة خلال فترة غيابها، والتي تسرق زميلتها (ولاء عزام)، والخائفة من صاحب المنزل الذي قد يطالبها بثمن تأخرها في دفع بدل إيجار المنزل، قد يتجسد الثمن بتقديم شبابها. أما خوف الصبية /حلا رجب، التي هجرها حبيبها في آخر لحظة قبل الزفاف بأيام، خوفاً من أن يفتضح أمرها بأنها حامل، وقد يوازيه أيضاً خوف الفنان التشكيلي (قيس الشيخ نجيب) الذي اعتقد أن السلطات الأمنية قد فتّشت مرسمه فطلب مساعدة صديقه رجل الشرطة (وائل زيدان) الذي أودعه في بيت والد حلا (جرجس جبارة) بعد أن تعهد له أن مسألته لا تتعدى خربشات على الفيس بوك ولا علاقة له بأي شيء خطير أو ممنوع.
وحشة الوحدة
وجبارة الذي استقبله بودٍ لأنه أول مستأجر ينتظره، فهو لأجل هذا المستأجر وغيره يعيد تأهيل غرف المنزل ليؤجرها خوفاً من الوحدة التي قد تأكله بعد زواج ابنته. مع هذا التنوع من الشخصيات ثمة محور آخر يتجسّد من خلال فتى لم يتبق له أحد من عائلته لأنهم قضوا في هذه الحرب، وهذا ما يدفع بممرض من الحي للتفكير ببيعه لأحد الأطباء الذين يتاجرون ببيع الأعضاء، نلمس ذلك من خلال تحريضه لرفاق الفتى في الحي على ضربه، ثم ينقذه ويعتني به، ربما ليموّه عملية خطفه فيما بعد! ومع كل حلقة يتطور مسار الشخصيات وتتصاعد الأحداث درامياً بشكل مقنع، فلعل تفاؤلنا لا يخيب ولاسيما أن شخصيات المسلسل شائعة في مجتمعنا، باستثناء شخصية الطبيبة، وتلامس الكثيرين منا، ما يشكّل عنصر جذب وتحريض على المتابعة إن أحسنت الكاتبة نسج بقية الأحداث محمولة على أداء مفعم بالإحساس من الممثلات والممثلين الذين جسدوا الشخصيات بأبعادها النفسية والشعورية المتعددة.

print