من الواضح في أدبيات الخطاب الديني أن الأديان السماوية متكاملة، وأن نصوصها قد أنتجت وظائفها الروحية والإنسانية، إلا أن معرفتنا بالتراث الديني ونصوصه مازالت ملتبسة بمشكلتين: مشكلة الاختلاف على مصادر تلك النصوص ومناهج قراءتها تفسيراً وتأويلاً.
مشكلة أن المعرفة الموضوعية بتراثنا الديني ومشتركاته لاتزال في طور الإعلان عن مقدماتها التأسيسية وغير مكتملة.
وعلى الرغم من جهود الحوار التي بذلت في تحقيق وإخراج الجانب الأخلاقي والاجتماعي من نصوص القيم المشتركة، إلا أن تعارض الوثائق الأولى مع بعضها دفع بالحوار الديني إلى مهمة إشكالية أخرى هي: الانشغال في تخليص المشترك الإيماني من سهام التشكيك والتشكيك المضاد ما يعني العودة إلى سؤال المقصود من وظيفة الحوار الديني وجدواه: أيكون حواراً يوضح ويجلو مشكلات التفكير في أزمة المعرفة بالدين؟ أم يتجاوز حوارات العقائد والتاريخ ليبدأ من وظائفها وأغراضها أي من حوار الحياة انطلاقاً من الواقع الديني الراهن وتحدياته المؤلمة؟ وفي هذا المجال هل يملك الحوار الديني إمكانات التأثير في واقعه؟. يجب أن نعترف أن الحوار الديني لايزال عاجزاً بقدراته المحدودة عن تحقيق طموحاته في إنجاز السلم الأهلي والاجتماعي بينما التيارات المعاكسة تراكم قوتها العنفية بمشاريع سياسية تخطف آمال الحوار في التأثير والتغيير. ولقد أدرك مفكرو الحوار نقاط ضعفه، فألحوا على مواجهة هذا التحدي بطرح الحديث عن وظائف الحوار لا في مجال التأكيد على وجوبه ومحاكاته بمنهاج الرسل والأنبياء فحسب، بل بوصفه مشروعاً يتصدى للإرهاب الديني بجميع أشكاله. وبكلمة، إن تدبير حياتنا الدينية بالحوار يلزمنا بإعادة النظر في أمرين اثنين:
مناقشة الدعوة التي تنادي بإخراج الحوار الديني من دوائر النخب والمختصين وتحويله إلى ثقافة حياة في الوجدان الشعبي وسلوكه.
مناقشة أوضاع الفوضى الدينية وظاهرتها التي أنتجت مرجعيات وحركات تنادي بخطاب القطع والكراهية والتكفير، ومعنى ذلك أن عملية البحث عن وظائف الحوار هي في أساسها عملية مركبة من أهداف متعددة ومترابطة بجميع جوانبها الدينية والثقافية والسياسية، ولا يمكن للحوار الديني أن يكون منتجاً إلا بمقدار استجابته لحاجات الواقع وتحدياته ليكون وبمنهج المرجعية الأخلاقية نهجاً طبيعياً في أسلوب حياتنا المهمومة بمستقبل الأبناء والأحفاد.

print