لا يمكن فهم فلسفة ما دون التطرق إلى وقائع حياة الفيلسوف لكونها السبيل الذي مهد إلى مشروعية أفكاره الرئيسية إن لم تكن هي الفكر في حد ذاته فالظروف والتحولات الاجتماعية والسياسية تؤثر في شكل وطبيعة الفلسفة باعتبار أن الفيلسوف الحقيقي هو ابن بيئته وذلك أن الفكر في الفلسفة يتأثر بحياة الفيلسوف ذاته ويعد نيتشه شخصية أثارت الكثير من الجدل في تاريخ الفكر الأوربي بصفة خاصة وتاريخ الفلسفة بصفة عامة ومن بين هؤلاء الذين حملوا على عاتقهم أعباء أمتهم فقد كانت حياته حافلة بالأحداث لدرجة أن حياته نفسها أثرت في فلسفته كما أن فلسفته انعكست في حياته حيث تفلسف كما عاش وهو لم يكن مصلحاً عادياً بل كان فيلسوفاً صاحب رسالة حضارية ناقدة للحضارة الأوربية..

وربما أهم ما يمكن ذكره هنا بخصوص أسرته هو أن أجداده لأبيه كان معظمهم من رجال الدين وكذلك أمه تنحدر من أسرة شغل كثير من أفرادها مناصب دينية وهكذا أدى الدين دوراً أساسياً في طفولته فلقد ورث عن أبيه المثالية وعن أجداده لأمه إحساساً بالواقع وروحاً من الشك ومن هنا نمت لديه نزعتين متعارضتين وهذا ما يفسر روح التناقض التي صاحبته طوال حياته حيث في بدايات تعليمه التحق بمدرسة فلورتا ثم غادرها إلى جامعة بون بعد ست سنوات وعندما انتقل أستاذه في اللغويات ريتشل إلى ليبسغ تبعه نيتشه إليها وخلال تلك الفترة بدأ اتجاهه يتبلور في دراسة اللغويات والآداب الكلاسيكية وأخذ ينصرف عن اللاهوت بعد أن كان ينوي التخصص فيه وظل في الجامعة أربع سنوات..

وكان من العجيب أن يختار في نفس العام الذي أنهى فيه دراسته الجامعية أستاذاً لفقه اللغة في جامعة بازل وفي هذه الفترة اهتدى إلى أمرين أساسين من المصادر التي استقى منها تفكيره ودارت فلسفته حولها إما بالعرض أو بالنقد وهما شوبنهاور وفاغنر ومن المعروف أن شوبنهاور أثر أعظم التأثير في حياة نيتشه فقد ظل طويلاً تحت تأثيره حيث وجد نيتشه فيه أحسن من تغنى بالتشاؤم وطبيعي أن يعجب نيتشه بفاغنر ما دام قد أعجب بأستاذه شوبنهاور وخاصة الموسيقا باعتبارها تصوير دقيق وشامل لإرادة الحياة أي الوجود.

وقد كان نيتشه يعد فاغنر فناناً أحيا آراء شوبنهور النظرية وحققها عملياً فألف عام 1872 أول كتاب له بعنوان “ميلاد المأساة من روح الموسيقا” يدعو فيه إلى نهضة متكاملة في الحياة الحديثة تؤدي فيها فلسفة شوبنهاور وفاغنر الدور نفسه الذي أداه فن إسخيلوس في حياة اليونان القديمة وبعد أن وجد نيتشه في بادئ الأمر تعبيراً عن الخلاص من خلال الموسيقا وشوبنهاور حيث آمن بقدرتهما على إحداث توازن بين حياة هادئة ووديعة وبين حياة النشوة والقلق والاضطراب إلا أنه ما لبث أن استقل عن كل أساتذته ومعلميه وأصبح له خطه الخاص وفلسفته الخاصة بكل شيء.

print