لكي نفكّر بطريقة أخرى، بالعمق الكامن تحت الأعماق التّداولية التي فقدت بهجتها، علينا أن نقرأ الوجه الآخر للحدث.. «إسرائيل» رهينة في المنطقة، وبفعل المقاومة ستكون حتى نهاية الاحتلال رهينة.. بها- أي المقاومة- نبعد شبح الحرب والإبادة ونربح الزمن الموضوعي لتدارك الفجوة وتحقيق التوازن الكامل للرّعب.. بوجودها نحن لسنا في حاجة إلى «نووي» لن يستطيعوا استعماله ضدنا ولن نستطيع استعماله ضد «إسرائيل» لأنها «تستوطن» هنا، لكننا نستطيع أن نقاوم بكيفية أخرى..
لا شيء أكثر دلالة على حماقة الاحتلال من امتلاكه النووي، إنه العبء الأكبر الذي لا معنى له إلاّ إذا تحدّثنا عن انتحار كيان لم يعد قادراً على المضي في الاحتلال إلى الأبد ولا العودة من حيث أتى.. استعمال «النووي» في بيئة مشتركة معناه استعمال النووي ضدّ مستعمله.. ثم ما هذا النحيب على الفوضى والعدوان، وهل ثمة شرط لانهيار بنية العدوان إلاّ بوجود حرب كحرب اليمن.. ماذا لو لم تكن هناك حرب بتلك المأسوية لكن بذاك الصمود.. ثم ماذا عن لبنان.. ماذا لو قامت دولته بشروط الطائف أو أدنى.. هل كان قادراً على تأمين الحدّ الأدنى من شروط مقاومته.. ثم ماذا عن سورية لولا وجود ملحمة عمقت من خلالها إدراكها ثغراتها وأصدقاءها وأعداءها وقيمة شعبها وجيشها وقيادتها في الزمن الصّعب.. وماذا عن العراق الذي في فوضاه تعقّدت كل إمكانية السيطرة عليه إلاّ جيوباً هنا أو هناك، وغالباً لا شيء مضموناً إمبريالياً في العراق..
الوجه الآخر للحدث هو دعوة للمناورة، لمعرفة كيف يمكن استغلال شروط مرحلة قائمة.. تكمن الواقعية في كيفية استعمال تلك العناصر في مسيرة التحرر.. النحيب نفسه عنصر أساس في المواجهة ولكن أن يكون نحيباً محفّزاً للقوة الغضبية..هذا التناقض العارم هو الذي يشكّل الأمل.. هذه الفوضى هي حصانة ضدّ انتظام الشّر على نحو مريح..
مرتاح جدّاً من أخلاق الفرسان لكن غير مطمئنّ لهشاشة العظام ولمصفوفة النّظر.. حين تفقد المقاومة الحدس وتخضع مصير الرؤية لخوارزميات غير مضمونة من حيث ملامسة الواقع.. قوة الحدس هي العنصر الأساس في المقاومة.. يأتي المقتل من التّسامح، من إهمال الثغرات والنوم عند الثغور.. أرى ذلك يتراكم وهو مؤلم.. مؤلم ليس لأنه يُربك المعادلة بل لأنه يُضاعف الجهد ويَهدُر الطاقة والدّم..
يحدّثني جنوني دائماً عن وجود خلل ما، ولكن لكي أحوّل جنوني إلى مصفوفة متكاملة هذا يقلّل من قوة حدسي..لا نستطيع أنّ نجمع بين حدس مقبوض وبرهان مبسوط، الوقت لا يكفي، لكننا سنخسر أشياء كثيرة في زمن الاستهانة بقوة الحدس، فالحقيقة تكمن هناك والبقية تفاصيل برهانية للإقناع.. وهذا ما أعبر عنه بالاقتصاد في الزمن وتدبير الحقيقة..
المقاومة الحقيقية هي التي تستطيع تدبير مشهد كامل من المغالطة.. غير أنّ هناك سوء تقدير لهذا العنصر الحيوي في برنامج المقاومة..غياب المناورة.. بل مازالت رهينة مثالياتها وأمثولاتها.. تبلي بلاء حسناً وتسقط سقطات مدوّية نتيجة المثالية والرغبة في امتلاك أقصى الحقيقة بوسائل الأخلاقوية غير الحاسمة.. توجد «الكاتاناه»..(سيف الساموراي وقوته) في يد المقاوم لا في رأسه وهذا هو الخلل.. يجب أن يسكن «الكاتاناه»عقله وروحه حينئذ سيكون الوضع مختلفاً.

*كاتب من المغرب

print