طرح هذا العنوان يستدعي دائماً الحديث عن دور الاتحاد السوفييتي في دعم حركات التحرر الوطني في العالم، وهو دور لا يمكن التغافل عنه أو إنكاره، لكنني اليوم أطرحه في سياق مختلف تماماً، بعيداً عن تقييم تجربة الاتحاد السوفييتي سلباً أو إيجاباً، ولكن في سياق تعلّم الدروس من ثورة حققت مجموعة من الإنجازات التي لا يمكن تجاوزها.
لم يكن الدعم السوفييتي لحركات التحرر الوطني مقتصراً على الدعم اللوجستي العسكري، لكنه تجاوزه إلى الدعم السياسي والثقافي، تلقى الكثير من أبناء العالم الثالث تعليمهم من خلال حركات التحرر الوطني والأحزاب التقدمية، في دول اشتراكية فتحت أبواب جامعاتها أمام أبناء دول العالم الثالث وخرّجت كوادر فنية وثقافية ساهمت في تطوير بلدانها في شتى المجالات، ولا ننسى أيضاً دور الاتحاد السوفييتي في نشر الأعمال الأدبية والفلسفية باللغات المختلفة، والتي نهل منها الكثير من أبناء الدول الفقيرة. لكننا اليوم لسنا في سياق الحنين إلى الماضي، ولا نوستالجيا تحاول استعادة ذلك الماضي، لذلك أحاول أن أطرح السؤال الآتي: كيف نستفيد من تجربة ثورة أكتوبر في سياق النضال الحالي لحركة التحرر الوطني العربية، وتطلعه نحو المستقبل؟ تعيش أمتنا اليوم واحدة من أحلك فترات حياتها السياسية والاجتماعية في العصر الحديث، ويمكن تلخيص الأزمة الداخلية بقضيتين؛ الوعي والهوية.
لا يمكن تجاوز الارتباط بين القضيتين، فغياب الوعي بالذات أدى إلى التضليل حول مفهوم الهوية، فنحن نجد اليوم أن هويات ما قبل الوطن تتسيد الحوار، فهي هويات عرقية، ودينية وطائفية وعشائرية وجهوية تتفوق على الهوية الوطنية بمفهومها القطري، أو القومي، فالعربي اليوم يتحدث عن إسلامه ومسيحيته في سياق طائفي، وعن عشيرته في سياق جهوي، وفي سياق عادات وتقاليد بالية، وعن دينه (مسلم/ مسيحي)، بل يستعيد أعراقاً بادت كالآرامية، ولغات تكاد تختفي كالسريانية ويقدمها على لغته الأم وعلى هويته الأصلية.
لقد ارتبط النهوض القومي العربي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بالوعي الذي شكلته حركات التحرر الوطني بالهوية القومية، وتجلى هذا الوعي في كل مناحي الحياة في المجتمعات العربية، وتمكنت الأمة من تحقيق قفزات نوعية في مجالات العلم والصناعة والثقافة والفن، ورغم بعض الانتكاسات التي نجمت عن تكالب المخططات الاستعمارية مع مؤامرات الرجعية العربية إلا أن المزاج العام في الشارع بقي عروبياً وحدوياً، لكن السبعينيات شهدت انتكاسة كبرى خاصة ما قام به أنور السادات في كامب ديفيد، أدت إلى الشعور بمرارة الهزيمة، وبدأت الهويات الفرعية تطغى على الهوية القومية الجامعة، وتجلى ذلك بظهور التنظيمات الدينية المتشددة العابرة للهوية الوطنية، وتصدّرها للحياة السياسية في معظم الدول العربية.
لقد قدمت ثورة أكتوبر الاشتراكية نموذجاً مميزاً في هذا المجال من خلال مفهوم الهوية السوفييتية، لقد تشكلت هذه الهوية كمظلة تجمع كل الأعراق والبنى الاجتماعية التي ضمها اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية. لم تقم الهوية السوفييتية على إنكار الهويات الوطنية للشعوب السوفييتية، ولكنها عدتّ نفسها «اشتراكية بمحتواها، وطنية بشكلها»، كان الهدف من هذه الهوية خلق حالة من الانسجام بين البنى الاجتماعية للدولة تمكّن أصحاب المصلحة (العمال والفلاحون) في جميع أرجاء الاتحاد السوفييتي من العمل معاً في سبيل تحقيق مصالحهم المتمثلة بمجتمع العدل والاشتراكية.
وقد تم اعتماد تعريف هوية المواطنين السوفييت في المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي (1971) بأنها: «هوية تاريخية، واجتماعية، تحملها مجموعة من البشر يمتلكون أرضاً واقتصاداً، ومحتوى اشتراكياً واحداً، وثقافة تعكس ميزات القوميات المختلفة في دولة فيدرالية، وبهدف مشترك، ألا وهو إقامة الشيوعية».
إن صراع الهويات في وطننا العربي ليس وليد الساعة، ولا وليد «الربيع العربي» المزعوم وإن كان وصل إلى أقصى تجلياته في هذا «الربيع»، لقد ولد الوطن العربي مقسماً بفعل معاهدات واتفاقيات وضعها الاستعمار في غياب حالة عربية شعبية نضالية حقيقية على الأرض، منذ ذلك الحين ونحن منخرطون في النضال في مواجهة الاستعمار على المستوى القطري، من دون أن نتصدى بشكل حقيقي لإعادة بناء وعينا بذواتنا، ومن ثم معرفة أصحاب المصلحة الحقيقية في بناء الأوطان، وصولاً إلى إعادة تعريف هويتنا.
لا أتحدث هنا عن هوية قومية مبنية على نوستالجيا سلفية، بل عن هوية ديناميكية تقدمية، تُعَرّف أصحاب المصلحة وهم؛ الكادحون، وترى الهوية تعبيراً عن مصالح هؤلاء الكادحين، وهذه الهوية ليست أمراً مفروغاً منه بل هي احتمال قابل للتطبيق من خلال فعل نضالي تحرري، في مواجهة طغيان الرأسمالية والليبرالية واقتصاد السوق، وهذه الاحتمالية تعني أنها قد تكون غير قابلة للتحقق إذا استكان أبناء الأمة إلى نوستالجيا الهوية، وتراخوا عن النضال في سبيلها.
إن الهوية العربية الحالية لم تتشكل كضرورة من ضرورات اقتصاد السوق البرجوازي الرأسمالي كمثيلتها الأوروبية، بل كانت ضحية للهوية القومية ودولة الأمة الأوروبية، وجاءت تعبيراً عن طموح الأمة بالاستقلال وتشكيل دولتها الوطنية، لذلك فهي هوية نضالية بالضرورة، وتقع في سياق النضال التحرري الوطني، ولا تمكن رؤيتها خارج هذا السياق، وهي كما نتمناها ونسعى لتحقيقها «هوية نضالية تقدمية في محتواها، وطنية في شكلها».

* كاتب من الاردن

print