يعد الإعلام في العصر الحديث أحد أهم أدوات تشكيل الوعي لدى الرأي العام، وعملية تشكيل الوعي بوساطة وسائل الإعلام ليست بريئة على الإطلاق، فدائماً ما تتحكم فيها مصالح القوى المسيطرة على هذه الوسائل سواء كانت قوى سياسية أو اقتصادية، وغالباً ما تنحرف هذه القوى بوظيفة الإعلام الرئيسة فبدلاً من أن تسعى إلى تشكيل وعي حقيقي للرأي العام من خلال تصوير الواقع كما هو عليه ونقل الحقائق والمعلومات بموضوعية وشفافية، نجدها تفعل العكس.. حيث تسعى هذه القوى إلى تزييف وعي الرأي العام بحقيقة ما يحدث حوله سواء في مجتمعه أو إقليمه أو العالم.
وخلال السنوات الأخيرة ظهر الدور الخطير للإعلام، حيث أصبح أحد أهم الأسلحة التي استخدمها العدو الأمريكي – الصهيوني لتنفيذ مخطط تقسيم وتفتيت المنطقة العربية والذي عرف إعلامياً بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير في إطار ما يسمى «الربيع العربي» المزعوم، وتم استخدام الجنرال إعلام للتلاعب بأمن واستقرار المنطقة العربية، وخلال هذه الحرب سقط سريعاً العديد من الأقطار العربية بفضل الجنرال إعلام الذي قام بتزييف وعي الجماهير وإيهامها بأن ما يحدث هو «ثورة ستحقق لهم العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، وبالطبع لم تجن هذه الجماهير أي مكاسب من تصديقها للجنرال إعلام غير مزيد من المعاناة إلى جانب تخريب وتدمير مجتمعاتها والرابح الوحيد مما حدث هو أمريكا وكيانها الصهيوني فقط عبر الثماني سنوات الماضية.
ومنذ قرر العدو الأمريكي خوض حربه الجديدة الخبيثة في إطار ما يطلق عليه «الجيل الرابع للحروب»، وهو يستخدم الجنرال إعلام حيث سعي لتزييف وعي الرأي العام العربي والعالمي وغسل الأدمغة من خلال الشاشات بأن ما يحدث داخل مجتمعاتنا هو «ثورة من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية وأن الهدف هو إحداث تغيير جذري في بنية المجتمعات العربية لكي تلحق بركب النهضة والتقدم»، وزاد الإعلام في تضليله حين حاول تغييب الواقع الفعلي ورسم صورة وهمية لما يحدث على أرض الواقع، ولم يستطع الكثير من الإعلام العربي في مجتمعاتنا بإمكاناته المحدودة مواجهة الآلة الإعلامية الصهيونية الجبارة وكشف زيفها وتضليلها، بل قام العديد من وسائل الإعلام العربية بالدوران في فلك الإعلام الغربي الذي يهيمن عليه اللوبي الصهيوني ويضخ به مليارات الدولارات، ورغم مرور ثماني سنوات على هذه المواجهة إلا أن الجنرال إعلام مازال يلعب دوره من دون كلل أو ملل، وعلى الرغم من فشل المشروع في تحقيق أهدافه لكنه حتى اللحظة يسعى لتزييف وعي الجماهير بحقيقة ما يحدث على أرض الواقع – وللأسف مازال الكثيرون من الجماهير العربية يستمعون ويصدقونه- وخاصة على الساحات العربية التي مازالت مستهدفة لزعزعة أمنها واستقرارها بهدف الوصول لمرحلة تقسيمها وتفتيتها.
ولم يكتف الجنرال إعلام بوسائله التقليدية المتمثلة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون بل قام بتطوير آلته الإعلامية الجهنمية الجبارة، فاستحدث أسلحة جديدة تمثلت فيما يطلق عليه وسائل الإعلام الجديدة المرتبطة بالسلاح السحري الجديد المعروف بالشبكة العنكبوتية – الإنترنت – حيث المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي مثل «الفيس بوك» الأكثر شيوعاً وانتشاراً في العالم اليوم و«تويتر» و«اليوتيوب» وغيرها، وبذلك أصبحت وسائل الإعلام ليست عامة بل خاصة حيث أصبحت لكل مواطن وسيلته الإعلامية الخاصة، وعبر هذا الإعلام الجديد بدأت عمليات تزييف الوعي للمواطن العربي الشغوف بهذه الوسائل التكنولوجية الجديدة التي يقضي عليها معظم وقته ولا يتركها طوال الوقت، ففي كل مكان وزمان تجده متمسكاً بجهازه السحري الذي يستقي منه كل معلوماته، حيث تتشكل رؤيته للعالم عبر هذا الجهاز السحري الصغير، وأدرك العدو الصهيوني أهمية الجنرال إعلام الجديد وتأكد أنه قد نجح في ربط المواطن العربي بهذا الساحر الجديد، فبدأ بإطلاق جيوشه الإلكترونية لتنشر بذور الفتنة وتشعل نيرانها داخل مجتمعاتنا، وبما أن طبيعة الأنظمة التعليمية داخل معظم مجتمعاتنا قائمة على الحفظ والتلقين من دون إعمال للعقل والنقد، فإن أي معلومات تبث عبر وسائل الإعلام الجديد يتم التعامل والتفاعل معها على أنها حقائق مطلقة، ومن هنا ينتصر الجنرال إعلام وجيوشه الإلكترونية.
فالجنرال إعلام صنيعة أمريكية – صهيونية، يجب أن نحترس منه وندرك دوره التدميري حيث يقوم بعملية تجريف للعقل الجمعي العربي، فالمعركة الجديدة بيننا وبين الغرب الاستعماري لاستمرار وتكريس تخلفنا قد تجاوزت الأسلحة التقليدية، فلم يعد الاحتلال العسكري ممكناً في الألفية الثالثة، ولم تعد التبعية الاقتصادية وسيلة وحيدة قادرة على إخضاعنا وإذلالنا، ولم تعد الهيمنة الثقافية التقليدية تمارس التأثير نفسه، بل تم تطوير أسلحته القديمة ومنها وسائل الإعلام التي أصبحت جنرالاً جديداً في ظل الجيل الرابع للحروب، وإن لم نلتفت للجنرال إعلام ونواجهه فعلى مجتمعاتنا العربية أن تنتظر مزيداً من التقسيم والتفتيت والتخريب والدمار، اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

print