نشرت دار فواصل السورية كتاب (غيرة اللغات) الذي ألّفه بالإيطالية الأرجنتيني (أدريان. ن برافي) الذي كانت الإسبانية لغته الأمّ، ثمّ غادر الأرجنتين في عمر الرابعة والعشرين، ليكمل دراسته في إيطاليا التي استقر فيها وأنتج معظم أعماله بلغتها.
ترجم الكتاب إلى العربية (أمارجي) واختتمه بمقابلة أجراها مع المؤلّف في سياق إنجاز الترجمة. يضمّ الكتاب الكثيف مقالات رصينة تتضمّن أفكاراً دقيقة بشأن اللغة عموماً، كاللغة الأمّ، واللغة المعادية، واللغة التي تنازع سواها للتجذّر في كينونة المتحدّث بأكثر من لغة، واللغة التي يخجل أبناؤها من التحدّث بها، إضافة إلى سرد وقائع، وأمثلة دالّة على ما يذهب إليه المؤلّف بشأن اللغة التي تشكّل كينونة الفرد، فالإنسان يعيش داخل لغته أكثر مما يعيش داخل وطنه، حسب الكتاب المذكور.
الأمر الآن متعلّق بما ذهب إليه المترجم، في سياق المذهب الذي طرحه على المؤلف الأجنبي بصيغة السؤال الموحي بالجواب، حين (قرّر) أنّ العربية تشبه اللاتينية من ناحية تكريسهما لممارسة وظائف القداسة، ويبدو الطرح، أوّل وهلة، إقراراً بحقيقة راسخة، وتبجيلاً صرفاً للعربية (المقدّسة)، لكن المشكلة أنّ اللاتينية قد انقرضت، وانقسمت إلى عدد من اللغات المتباينة المعروفة، والعربية ليست كذلك، أما المشكلة الكبرى فهي أنّ الدعوة إلى وسم العربية بالقداسة دعوة غربية مشبوهة قبل أن تكون دعوة ذات توجّهات أصولية، وتعني حشر العربية في وظائف طقسية محدّدة، ومنعها من أن تكون لغة حيّة.. هناك فرق جوهريّ بين اللغة المقدّسة التي تصير مجرّد (لغة طقسية)، مستعملة فقط خلال أداء الطقوس الدينية كالعربية التي يستعملها المسلمون غير العرب، و(بين) لغة الحياة، ومن ميزات العربية أنها استمرّت خلال مئات السنوات لغة للحياة بكل ما يعنيه زخم الحياة من إبداع، ومعنى متشعّب في المناحي كلها، من غير أن يتعارض ذلك مع (قداستها)، وفشلت القوى التي حكمت منطقتنا في منع العرب من تداول لغتهم التي بقيت حيّة على ألسنتهم طوال قرون.
إن جعل القداسة وسماً رئيساً لأي لغة يعني بداية حسرها عن ممارسة الحياة، فاللغة كائن حيّ، وسَجْنها داخل حيّز التقديس يعني بداية الموات.. أذكّر المترجم بوجود مليار مسلم يقدّس العربية، ولا يستطيع أن يتكلّمها.

print