ازدادت كثيراً ظاهرة شفط سائقي السرافيس الخمسين ليرة المتبقية للركاب بحجة عدم وجود فراطة معهم، فإذا أعطيتهم مئة ليرة «يلهطون» الباقي، وإذا أعطيتهم 200 ليرة يعيدون لك المئة و«يسلخون» الباقي وهكذا دواليك، وأصبحت تسمع عبارات (مامعي فراطة- مافي خمسينات- ياشباب عطونا فراطة- يلي ما معو فراطة لا يعطيني) في كل سرفيس تركبه، متكررة على لسان جميع السائقين، ويقولونها على شكل محاضرة وهم يؤنبون الركاب، وأضحى الركاب جميعاً يشعرون بالذنب والخزي لأنهم لا يحملون النقود من فئة الخمسين ليرة، وكأن الذنب ذنبهم في عدم توافرها، طبعاً بعد حملة التوبيخ هذه يأخذ السائق المئة ليرة وينام على الباقي، فمن يجرؤ بعدها على مناقشته، والراكب لاحول له ولا قوة لأنه سيواجه بصوتٍ فاجر (ومنين بدي جبلك فراطة من بيت أبي؟!)، لذلك يسكت معظم الركاب على حقهم خوفاً من أن يقول لهم السائق (يلي ما معو فراطة لا يركب معي!)، وكأن الركوب معه أصبح مِنَّة، والبعض الآخر يسكت لأنه لا يريد أن تحدث مشكلة طويلة عريضة من أجل 50 ليرة ولسان حاله يقول (مو حرزانة) مع أنها تحرز لأنها تساوي أجرة راكب سرفيس، والمدهش أن سائق السرفيس لا يقبل أن تعطيه 25 ليرة إذا لم يكن معك 50 ليرة فراطة، بينما يقبل على نفسه «لطش» المئة ليرة كلها.
والمفارقة أن معظم سائقي السرافيس الذين يفعلون ذلك أجرتهم الحقيقية بحسب تعرفة المرور 40 وليست 50 ليرة، وبهذا تكون خسارة الراكب في كل ميكرو يركبه 140% عندما يدفع مئة ليرة ولا يعيد له السائق الباقي، وقد استساغ السائقون هذا الموال.
قبل أيام صعدت في أحد باصات النقل الداخلي وأعطيت السائق مئة ليرة فأعطاني (ظرف نسكافيه) بدلاً من الخمسين ليرة المتبقية لعدم توافرها معه، وقد أعجبتني الفكرة، لماذا لا يُلزم السائقون بإعطاء الركاب شيئاً ما مقابل الخمسين ليرة المتبقية إذا لم يكن معهم (فكة) بدلاً من أن يأكلوها على الركاب، ريثما تحل مشكلة الفراطة، ثم ماذا حل بقطعة الخمسين ليرة المعدنية التي طرحت دفعة منها في الأسواق، ولماذا لم يطرح المزيد منها لحل هذه المشكلة؟ بالتأكيد الحديث عن مشكلة الفراطة في السرافيس يطول أيضاً «التاكسي» العمومي الذين لا (يقرطون) الخمسين ليرة فقط، بل معها المئة والمئتي ليرة في كثير من الأحيان!

print