عاش النبي سليمان عليه السلام في كنف أبيه النبي داود «عليه السلام» حيث تلقى من نبع النبوة هديها، يقول الله تعالى (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) والتعبير القرآني (وَوَهَبْنَا) أي أنها هبه من الله للنبي داود أن رزقه هذا الابن البار، ثم يؤكد بقوله (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) أي إنه مدحة الله تعالى بالعبودية، وهي مرتبه عظيمة، ووسام شرف، والمراد بقوله تعالى (أَوَّابٌ) إرجاع عن كل ما يكره الله إلى ما يحب، كما اتصف النبي سليمان بعدّه صفات كان من أبرزها أن الله تعالى أورثه ميراث أبيه، وعلمه الله سبحانه لغة الطيور، وبين الله تعالى ذلك في قوله (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إن هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).
الهدهد وملكة سبأ
كان نبي الله سليمان- عليه السلام – حكيماً وحريصاً على إتقان العمل والإشراف عليه شخصيّاً، وذات يوم جاء ليتفقَّد الطيور، ولم يجد الهدهد بينها.
قال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) النمل: 20، 21.
فلما حضر الهدهد إلى سليمان قال: يا نبي الله (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) النمل: 23، 24 قال سليمان: (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) النمل: 27 قال النبي سليمان: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) النمل: 28 (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ). طرحت الملكة على رؤساء قومها الرسالة: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) النمل: 32 فقال رؤساء قومها؟ (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) النمل: 33 فكَّرت الملكة في رسالة سليمان، وكان اسمه مجهولاً لديها لم تَسمَع به من قبل، رجحت الحكمة في نفسها على التهور، وقرَّرت أن تلجأ إلى اللين، وتُرسِل إلى سليمان بهدية، وقرَّرت في نفسها أنه ربما يكون طامعاً، قد سمع عن ثراء الملكة، فحدَّثت نفسها بأن تُهادِنه وتشتري السلام منه بهديَّة، كما أن إرسالها الهدية يُمكِّن رسلها من دخول مملكته، ليرجعوا بأخبار قومه وجيشه، ثم قالت: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ)، وأدرك سليمان على الفور أن الملكة أرسلتْ رجالها ليَعرفوا معلومات عن قوَّته. قال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) ص: 36، وتدلَّت أفواههم من الدهشة، وأدركوا أنهم أمام جيش لا يُقاوَم. نظر سليمان إلى هدية الملكة، وأشاح ببصره؛ قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمان قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) النمل: 36 وجاء رسل الملكة بعدما رأوا ملك سليمان واقترحوا أن تجيء الملكة في مهمة سلام، وكانت أجهزة «مخابرات» الملك سليمان، قد حدَّثته أن أعجب العجائب في مملكة سبأ هو عرش الملكة بلقيس، فقد كان مصنوعاً من الذهب والجواهر الكريمة، وكانت حجرة العرش وكرسي العرش آيتين في فن الصناعة والسبك، وكانت الحراسة لا تغفُل عن العرش لحظة، فقال لوزرائه ومستشاريه، (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) النمل: 38 (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) [النمل: 39، وكان سليمان يقوم من مقامه بعد ساعة أو ساعتين، وقد تعهَّد له العفريت أن يُحضِره قبل ذلك، ونحن مع مجلس سليمان في فلسطين والعرش في اليمن، والمسافة بين العرش ومجلس سليمان تَزيد على آلاف الأميال، وأقوى الطائرات النفاثة التي نَعرِفها اليوم لا تستطيع أن تذهب وتجيء في ساعة.
ثم التفت سليمان نحو واحد يجلس في الظل: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) النمل: 40، استغرق إحضار العرش أقل من رمشة العين حين تُغلَق وتفتح، فتأملَّ تصرُّف سليمان بعد هذه المعجزة!! لقد أرجع الفضل لمالك الملك، وشكَر الله على هذا الملك العظيم، (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ) النمل: 41 ثم أمر سليمان ببناء القصر ليستَقبل فيه الملكة واختار مكاناً رائعاً على البحر وأمر أن تُصنع أرضية القصر من زجاج شديد الصلابة،. (فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)، لقد سبَقها سليمان إلى العلم بالإيمان بالله الواحد، بعدها صار من السهل عليه أن يسبقها في العلوم الأخرى.
ثم انبهرت بلقيس بما شاهدته من إيمان سليمان وصِلته بالله، ثم انبهرت بما رأته من تَقدُّمه في الصناعات والفنون والعلوم، وأدهشها أكثر هذا الاتصال العميق بين إسلام سليمان وحكمته وعِلمه: (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ) النمل: 43 وأدركتْ أن الشمس التي يعبدها قومها ليست إلا مخلوقاً، خلقه الله تعالى وسخَّره للعباد، قال تعالى: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) النمل: 44
اعترفت الملكة بظلمها لنفسها، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وتَبِعها قومها وقد أدركت أنها تُواجِه أعظم ملوك الأرض أحد أنبياء الله الكرام.

print