لم يكن تاريخ الخامس عشر من أيار 1948 “يوم النكبة” سوى ترجمة لسنوات طويلة من التخطيط والتآمر بين الحركة الصهيونية العالمية وسلطات الاحتلال البريطاني لطرد الفلسطينيين من أرضهم، وزرع الكيان الإسرائيلي الغاصب عليها حيث تعرض الفلسطينيون على مدار سنوات طويلة سبقته للاضطهاد والتعذيب والتهجير ونهب أراضيهم والهجرة اليهودية إلى أرضهم، وكان هذا اليوم الأكثر دموية وهجرة للفلسطينيين وتوزعهم على مخيمات اللجوء حول العالم.

ويمثل وعد بلفور المشؤوم الذي قدمه وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرثر جيمس بلفور إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد في الثاني من تشرين الثاني عام 1917 واحداً من أخطر فصول المؤامرات التي حيكت للمنطقة العربية والمتواصلة حتى اليوم، بهدف تفتيتها وتدميرها والقضاء على كل مقومات العيش الكريم لأبنائها، خدمة للمخططات والأهداف الاستعمارية للدول الغربية ولكيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب.

واحد وسبعون عاماً تنقضي غداً على نكبة الشعب الفلسطيني التي كانت ولا تزال منذ حدوثها عام 1948 جرحاً نازفاً بكل ما تجسدت فيه من قيام عصابات القتل والإجرام الصهيونية بأكبر حملة تهجير قسري بحق الفلسطينيين، وارتكاب آلاف المجازر وهدم مئات القرى والمنازل لإقامة كيان الاحتلال في قلب الوطن العربي.

معاناة الشعب الفلسطيني الموزع في أنحاء الأرض ما زالت مستمرة في ظل آلة القتل والإجرام الصهيونية التي تواصل تدمير واحتلال ما تبقى من أرضه، وتحاول طمس تاريخه وحقوقه حيث يواجه اليوم تحديات كبرى لا تقل خطورة عما تعرض له سابقاً، وفي مقدمتها ما تسمى “صفقة القرن” الأمريكية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية في ظل صمت دولي وبتواطؤ مشيخات الخليج وفي مقدمتها النظام السعودي الذي رأى ولي عهده محمد بن سلمان أن لـ “إسرائيل” الحق في الوجود وإقامة دولة بعد انتقال العلاقات بين هذه المشيخات وكيان الاحتلال من السرية إلى التطبيع العلني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

وجاء إعلان ترامب في كانون الأول 2017 مدينة القدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال، ونقل سفارة بلاده إليها منتصف أيار الماضي بالتزامن مع الذكرى السبعين للنكبة لتكون هذه الخطوة حلقة ضمن ما تسمى “صفقة القرن” تبعها قرار وقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، ووقف تمويل المشافي الفلسطينية في القدس المحتلة وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن ضمن الانحياز الأمريكي الصارخ لسلطات الاحتلال، والاستمرار في السياسات المعادية للشعب الفلسطيني قبل أن يعلن الاحتلال الإسرائيلي ما يسمى “قانون القومية” العنصري الذي لا يعترف إلا باليهود، ويتضمن المساس باللغة العربية وجعلها لغة ثانوية، كما يكرس احتلال القدس وينكر وجود الآخر لإبعاد الفلسطينيين عن دولتهم الأزلية فلسطين المحتلة.

أشكال التصعيد المختلفة والجبهات التي فتحتها الولايات المتحدة في المنطقة، ودعمها التنظيمات الإرهابية في سورية والعراق وغيرهما من دول المنطقة ليست إلا جزءاً من محاولاتها لتنفيذ مؤامرة القرن التي كان إحدى مراحلها إعلان ترامب المشؤوم حول الجولان السوري المحتل ضمن المؤامرة الكبرى التي تحيكها الدول الغربية الاستعمارية ضد منطقتنا العربية، وتستمر حتى اليوم بأشكال مختلفة من بينها استهداف الدول المتمسكة بالحقوق والثوابت القومية، وفي مقدمتها سورية التي تعرضت وتتعرض لكل أنواع التضييق والحصار والحرب لدورها الأساسي في دعم الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة ومقاومتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وداعميه، والمخططات الهادفة إلى الهيمنة على هذه المنطقة.

الفلسطينيون المتجذرون بأرضهم بدؤوا في الثلاثين من آذار 2018 مسيرات العودة الأسبوعية رفضاً لمخططات الاحتلال التهويدية وتمسكاً بحق العودة، ورد الاحتلال بالعدوان تلو الآخر وبقمع هذه المسيرات بالرصاص ما أسفر عن استشهاد 283 فلسطينياً، وإصابة أكثر من 30 ألفاً بجروح، لكن رغم إجرام المحتل يؤكد الفلسطينيون على الدوام تمسكهم بحقوقهم وأنها غير قابلة للمساومة أو التنازل مهما اشتدت المؤامرات الأمريكية الصهيونية، وشعارهم فلسطين والقدس أرض مقدسة وستعود لأصحابها الحقيقيين مهما طال الزمن، وأن المقاومة مستمرة حتى عودة الحقوق كاملة وعلى رأسها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

“سانا”

print