لم يبقَ من حمص، في خاطري، بعدَ البُعاد، إلا ذلك الوعرُ الممتد وراء المَيْماس، مهيباً، تحت سحبٍ عالية، بقتامة حجارته الصّامتة العتيّة المتكئة على ماءٍ ونفْلٍ وشقائق نعمان، لا تحفل بانعكاس ضوءٍ ولا باحتفاليّات فصول، حتى إذا بدأت أسرارُ الوجود تتفكك الهُويْنا، قال العلمُ: إنّ البراكين حين ثارت، أخرجت من جوف الأرض بعضَ آلامها وزفراتها وإذ ابتردَت، لبثت في مكانها مجلّلة بالسّواد والحزن، وخواطرِ شاعر مزّقته الغربة وراء البحار، قبل أن يشهد موتَ «الرجل المريض» الذي لبث في بلادنا أربعَمئة سنة، طويلةً كالأبد، قاحلةً كاليباب! وحين ترنّم بحنينه قال: عُدْ بي إلى حمصَ، ولو حشْوَ الكفن… واهتِفْ أتيتُ بعاثرٍ مردود، واجعلْ ضريحي من حِجارٍ سودِ!
ما كان لتلك الحجارة التي صُنّفت علميّاً بأنها صخرٌ خشنٌ، صعبٌ تفريقُه، وأقوى من الحديد والفولاذ، لتمنحَ إحساساً أقلّ من الموت والكفن والضّريح، الذي رسمَه «نسيب عريضة» في دفاترنا ومضى، تماماً كما فعلت البراكين في جسد حمص منذ قرون مضت! وما كان لها أن تشهد معجزة اليقظة والتنفّس والنّهوض إلا على يد فنّان سوريّ آخر، فيه شاعرٌ لم تطوّح به غربةٌ ولا تهجيرٌ ولا حنينٌ إلى حضن وطن، بل عينٌ رأت قوافل شهداء تنطلق كالشُّهب من الأرض إلى السماء، وحرائق تشعل حقول القمح وبساتين الزيتون كي لا تُطعم زارعيها، وأمّهات يضفرن أكاليل الغار لجبين أبنائهن قبل أن يحملن نعوشهم على أكتافهنّ، وأبطالاً لكلّ واحدٍ منهم ملحمة لا تتّسع لها رُقُم حقبة من الدّهر، وعلَماً عزيزاً، ضنّت به الأفئدة على السقوط، فتناقلتْه الأيدي حتى وهي تنزف! وفي مواجهة كلّ الخراب الذي أرادوه كالطّوفان، وقف فاتحاً ذراعيه، وقلبه وذاكرته، ماضياً في طريقه، كما فعل جلجامش في صعوده جبال الأرْز ليأتي بعشبة الخلود، ينقذ بها، ليس صديقاً قضى، بل النُّبلَ الإنسانيّ والقيمَ الرفيعة، من الوفاء، وعرفان الجميل، والفناء بالآخر… ولم يتوقف حتى بلغ غابة البازلت! ومنها اقتطع جَذْعاً هائلاً، كان مرتبكاً وصامتاً، لكنّه أنطقه أعذب قصيد، حين حمَّله خوذةَ جنديّ عربيّ سوريّ، وعُقاباً كنعانيّاً برأس ذهبيّ، وأيقونةً خضراء بسنابل قمحها وسيفيها، ووسْم: وطن-شرف-إخلاص!
ماذا قال الفنان إياد للحجر وهما وحيدان؟ كيف تنفّس البازلت، تحت طَرْق الإزميل، من دون أن يتوجع؟ حكاية سيسمعها المارّون من ساحة الشهداء في حمص كلّما هبّ عطر الانتصارات…

print