بدا الجهد الذي بذله كل من الموسيقيين دلامة شهاب وناريك عبجيان وسيمون مريش واضحاً في ورشة العمل التي أشرفوا عليها بخصوص موسيقا الجاز مع عدد من طلاب المعهد العالي للموسيقا وذلك من خلال الأمسية التي أقيمت قبل فترة وجيزة في القاعة المتعددة الاستعمالات في دار الأسد للثقافة والفنون- أوبرا دمشق تتويجاً للورشة واحتفالاً بيوم الجاز.
الأمسية التي شاركت فيها إضافة للموسيقيين المذكورين مجموعة من طلاب المعهد وهم من شاركوا في الورشة، تضمنت برنامجاً منوعاً من أغاني الجاز الشهيرة التي تنتمي لأسماء موسيقية عالمية كبيرة، منها: أغنية لأنطونيو كارلوس ويعرف أيضاً «ألميدا جوبيم» وهو ملحن برازيلي وعازف بيانو وكاتب أغانٍ وموزع ومغنٍ، يعد من أكبر الدعاة للموسيقا البرازيلية، إذ قام بالتعاون مع أكثر الفنانين الأمريكيين تميزاً بدمج موسيقاه مع الجاز ليصنع نجاحاً شعبياً كبيراً في الستينيات من القرن الماضي.
وأغنية أخرى بعنوان «أوراق الخريف» وهي أغنية شعبية، من ألحان جوزيف كوسما، وغنيت بالفرنسية من كلمات جاك بريفيرت باللغة الفرنسية، وجوني ميرسر بالإنكليزية.
و«كُل جزء مني» هي أغنية للمطرب جون ليجند من ألبومه الرابع، كتبت خصيصاً لزوجة الأسطورة كريسي تيجن، وكانت هذه الأغنية بالمرتبة الأولى عام 2014 في ساحة الجاز الغنائية.
كما تضمن البرنامج أغنية «وقت الصيف» التي كتبها جورج غيرشوين سنة 1934م لأوبرا بورغي وبس، وهي واحدة من أفضل الأغاني التي كتبها الملحن على الإطلاق، إذ تمزج العديد من عناصر موسيقا الجاز وأنماط أغاني الزنوج في الجنوب الشرقي في الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل القرن العشرين.
ومن الأغاني الرائعة التي استمع إليها الحضور «يطيرني إلى القمر» كتبها بارت هوارد عام 1954م وسجلت في العام ذاته ولكنها اشتهرت أكثر عندما قام بأدائها فرانك سيناترا بعد عشرة أعوام من تسجيلها، وقدمت فيما بعد في قاعة المشاهير كأغنية فردية أثرت في الثقافة العامة بطريقة فريدة على مدار سنوات عديدة.
ومن أشهر الأغاني للفنان ديوك إلينغتون، اختارت منها المجموعة الموسيقية السورية أغنية «المقطورة» وهي أحد أكثر أساليب الجاز تميزاً ويعود عمرها إلى عام 1936م، ونادراً ما تؤدى بسبب حاجتها إلى صوت قوي ذي مساحة واسعة.
اختتمت الأمسية بأحد أشهر أغاني الجاز وهي «كارافان» التي سجلت عام 1956م ومن حينها إلى اللحظة تم تسجيلها بـ(350) نسخة، وتم الاستعانة بها في العديد من الأفلام منها: فليمان لوودي آلن، ستيفن سودربيرج في فيلم المحيط. كما تظهر الأغنية في أفلام أخرى.
هكذا احتفلت دمشق بيوم الجاز لتبرهن بأننا نملك أصواتاً تضاهي الأصوات العالمية وتستطيع أن تقدم كل أشكال الغناء، وأكاديمية موسيقية متطلعة ومنفتحة على الثقافات العالمية وتعلّم طلابها ليكونوا على دراية واسعة بالموسيقا كلها، وقدمت المجموعات الموسيقية الغنائية من طلبة المعهد العالي للموسيقا كل هذا البرنامج الغني بإشراف ومشاركة الموسيقيين السوريين «دلامة شهاب، ناريك عبجيان، سيمون مريش» وهم من أهم أساتذة النفخيات النحاسية والبيانو والإيقاع، بانسجام واضح وبحرفية عالية.
يشار إلى أن الجاز أسلوب متعدد الجوانب ظهر أواخر القرن الماضي في الأوساط المتواضعة للزنوج في مدينة «نيو أورليانس» وعماده إيقاعات الزنوج، وسلمهم الخماسي، ثم دخلت إليه عناصر أوروبية ولاسيما الهارمونية، وبعض التأثيرات الفرنسية والإنكليزية الشعبيية والكرييولية للزنوج المختلطين بدماء فرنسية أو إسبانية، واختلطت هذه العناصر بأغاني العمل الزنجية سواء في المزارع أو في أغراضها الأخرى المتعددة مع أغاني الأسى المسماة «البلوز» وهي تراث زنجي أصيل من الأغاني الحزينة الباكية وتضم العويل والصراخ والاحتجاج، وهو الذي وجدوا فيه متنفساً لمآسيهم، وتمتاز البلوز بأبعادها الشبيهة بثلاثة أرباع الصوت في الموسيقا العربية والشرقية، ومن فروع البلوز الأغاني الروحية «الدينية» الزنجية، وأناشيد الجوسبل، ثم أضاف الراجتايم، والفرق النحاسية التي تعزف الاحتفالات والمآتم وقدمت إضافات مهمة للجاز، ومن هذه التوليفة الغريبة تكونت موسيقا الجاز، وأهم خصائص الجاز بنوعياته وموجاته المختلفة هي النبض الإيقاعي المستمر من جانب، مع قلقلة الضغوط المرقصة من جانب آخر، وتتكون فرقه عادة من قسم إيقاعي عماده الطبول والكونترباص والترومبون وآلات الساكسفون بطبقاتها المختلفة ويلعب البيانو دوراً لحنياً، وكذلك البانجو وهي آلة الزنوج المفضلة في غنائهم التلقائي، ومن أهم ميزات الجاز في جانب الإيقاع عنصر الارتجال، إذ يضيف العازفون الذين يتناوبون في الارتجال زخارف وحليات وفقرات لحنية قصيرة للحن، ويضاف لذلك نوتات البلوز التي يعزفها الزنوج عادة على آلات النفخ والآلات الوترية على السواء، ثم الهارمونية الكروماتية.

print