كان لافتاً إعلان عدة شركات نيتها تخفيض أسعارها قبل رمضان بعدة أيام، وكان لافتاً أيضاً الإعلان أن هذه الشركات لم تفِ بوعدها!
فالإعلانان هما سابقة في حد ذاتهما، أولاً: لأنه لم يسبق للتجار أن قدّموا مثل هذا الوعد في التاريخ القريب، وثانياً: لم يسبق أن قدّمت جهة رسمية مثل هذا الاعتذار لأسباب مشابهة، فالوزارة بتبني هذا الوعد خرجت عن دورها في تطبيق القوانين، وحاولت لعب دور اجتماعي لم تنجح في خطوته الأولى، لكنها -ومع الأسف- مازالت تطبق قوانينها بالتمني، وليس بالتنفيذ الفعلي للقانون، ويبدو أن الدور التدخلي للدولة الذي يمثل أحد أركان اقتصاد السوق الاجتماعي مازال غير واضح!
فالحكومة التي وفرت جزءاً من البنية التشريعية لتساعدها في تطبيق نظام اقتصاد السوق الاجتماعي كقانون منع المنافسة والاحتكار وحماية المستهلك وغيرها لم توجد في المقابل الكوادر الكفوءة والنزيهة بكل المعايير لتساعدها في نجاح تطبيق هذا النظام الاقتصادي، ولو توافرت هذه الكوادر لما احتاجت لتبني وعود هذه الشركات، بل العكس تماماً كان سيحصل، وكانت هذه الشركات سيسابق بعضها بعضاً لكسب الزبون، وهو ما لم يحصل حتى الآن في اقتصادنا برغم أن الحكومة حررت الأسعار والتسعير وسمحت للمصنّع والتاجر بتقديم التكلفة التي يريد.
خلاصة القول: إن ما حصل بالنسبة لوعود التجار يبدو أنه لم ينبههم لخطورة فعلهم مع تراجع حركة الشراء وكساد الأسواق، إذ إن فريق التاجر مازال يعمل بقانون الزمن الماضي (المواطن سيخضع لسعر السوق مادامت البدائل غير متوافرة)!
ويبدو أن أحداً لم يعد يتنبه لمسألة أكثر خطورة، وهي الأمن الغذائي للأسرة السورية، فقبل نحو سنتين أنجز المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة وبرنامج الأغذية العالمي مسحاً لتقييم الأمن الغذائي للأسر السورية، تبين في نتيجته أن نسبة 32.4 فقط هي في حالة أمن غذائي، تقابلها نسبة 31 غير آمنة غذائياً، بينما تعيش نسبة 45.6 على هامش الأمن الغذائي، وتبدو هذه الشريحة قد اتسعت اليوم نتيجة اتساع الفجوة بين الدخل ومتطلبات الحياة المعيشية، ويمكن القول: إن شريحة الـ45.6% قد انضم قسم كبير منها إلى الفئة غير الآمنة غذائياً، ولعل النظر إلى الذين ينتشرون في الطريق من متسولين على أنهم بائعون للبحث عن دخل إضافي يعكس هذه الحاجة واقعياً، ما يستدعي فعلاً أكبر من استجداء وعود التجار.

print