“كل الأشياء خانتني، سريري الخشبي الذي ضاق بي فجأة، الوطن الذي علقته منذ زمن، على حبل الأمنيات، ولم تجف دماؤه، أخي الذي حرمني العناق، بعدما عاد من الحرب، بذراعين مبتورتين، صديقي الشهيد، الذي غادر نعشه وتحول إلى حمامة”، “خيانة” عنوان هذا النص الذي قدمته الشّاعرة هناء داووي في الفعالية الأدبية التي أقامها فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب، اليوم، والتي شارك فيها مجموعة من الشباب وقدموا خلالها نصوصاً شعرية وقصصية مختلفة المواضيع والهموم.

“أحن إليك” و”الوصب المبتلى” و”العناق الأخير” نصوص قدّمها عصام مسالمة، ونختار أولها، يقول مسالمة:

أحن إليك في هذا الزمن الرديء

ولو أن وردتك التي شتلتها ضاعت ولم تعبرْ باتجاه حزن عيني

أحن إليك.. حتى لا يسأل الأمس عنك عند حدود الليل

أحن إليك.. لأنك طفلة تشرين العجوز.. لأنك العابرة الأخيرة.. والمنتصرة على قلبي البريء

وبأسلوب أقرب إلى الأدب السّاخر، قرأ مفيد العبدون نصوصاً عدّة منها “مرضعة الخلود” و”قديس” و”السيد مظلوم” و”علمانيون”، ونكتفي بنصه الأخير، يقول: أولمَ الشيخ لأعيان العشيرة، وبعدما صلوا جماعة، أصدروا بياناً جاء فيه: لا للعشائرية، لا للعائلية، لا للطائفية، نعم للدولة العلمانية الديمقراطية، بقيادة شيخنا.

وبالأسلوب ذاته، قرأت سمر كلاس نصها “لا أحد يحبني”، ومما جاء فيه: أصرخ: كل متسلط سينال عقابه، سأقضي عليكم.. يطرحني الرجل الضخم أرضاً، ويركلني في وجهي، أسقط في غيبوبة، أغمض عيني، وأشعل ضوء الروح، يصفعني الماء يوقظني، ويردد الرجل الملتحي: نحن ملائكة الله.. كتلة من مشاعر دافئة، تنقذ البشرية، منكم أيها الكفرة، تنفذ فيكم أحكام الله.. لا نريد خنازير كفرة، ولا زنادق لا تحبنا ولا تحب الله، بصوت متعب أردد: سأظل أكرهكم جميعاً، لن أبكي ثانية، فالخوف والكراهية والقذارة لأبناء الشيطان، أمثالكم، يضربني الرجل الضخم بعصا من حديد أسمع كسر عظامي، تتلألأ أسنانه، انتشاءً بالدم، بعد رحلة طويلة من التعذيب، رأيتُ اسمي مكتوب على قائمة الوفيات.. ابتسمت.

ومن نص “شوكولا طحين” لديمة داوودي نقتبس: يقولون فقدنا كل شيء لا قدرة على تضميد أي جرح إضافي، تقول أخرى: مقيدة أنا تنخر بي رائحة العائلة والحياة، بعض الأصوات الغريبة تخبرني أني مازلت مبصرة لكن شدة السواد توهمني بكل هذا العمى والفقد، أي فقد يثخن الجراحات، الجوع وحده ذاكرة لا تموت، أكاد أسمع صوت أحشاء تقتات على بعضها فألسنة الأسعار تنهش بعضها بعد أن التهمت كل الجيوب.. رائحة الشوكولا تدهم الذاكرة، خطوات حفظتها عن كثب تقترب.. خشخشات اشتقت إليها.. أصابع باردة تمتد مرتجفة تمسك بي، تفك أسري، أرى النور أغمض عيني، يصرخ الطفل سألصقك وأشتريها، وبكل أوجاعي أصرخ أنا سأعيش.

ولأنها “ماتزال حية” كتب لها عبد الله نفاخ قصة قصيرة يقول فيها: على درب نجاحه، تنكر له كثيرون، بمطارقهم هشموا رأسه، المعبأ بالأمل، هرب إلى عالم آخر من زجاج، عالم له راح يحطمه بيديه، قائلاً، إن حطمت نفسي، فذلك خير من أن يحطمني غيري، مابرح يهشم بنيات عقله المتكسر أصلاً، ويبكي، صحا ليجد عقله، ونفسه قد خربا، ولبث وحيداً، فقد فقد أول ما فقد لسانه، وعلى شاطئ الخراب، مايزال يمر الناس، بعينين جاحظتين، لروح رأت الموت.. لكنها ماتزال حية.

ت: صالح علوان

 

 

print