يؤكد الباحثون أن الواقعة الأولية التي منها تنحدر كل النقاشات اللاحقة هي أنّ الأسطورة مهيأة لتقييمين متقابلين وكأنما للعقل غرضان متضادان يتواجهان داخلها فالعقل من ناحية يدين الأسطورة ويقصيها ويطاردها رغم أن الأمر في البداية لم يكن متعلقاً إلاّ بأساطير هوميروس وهزيود وبفن التراجيديا غير أن عداء البعض من الفلاسفة للأسطورة عداء مبدئياً من حيث إن البحث عن الأساس وعن حكمة الوجود يقصي حكاية الأخبار وبالتالي هنا يجب استخدام الأساطير باعتبارها مجازاً أي النظر إليها باعتبارها لغة غير مباشرة تختفي داخلها حقائق فيزيائية وأخلاقية أصيلة..

على أن تأويلات القرن التاسع عشر الوضعية تندرج ضمن نفس التوجه باعتبار أن العلم الحديث وريث اللوغوس اليوناني فالأساطير التي اكتشفها علم الأديان المقارن وخصوصاً في المجال السامي والمجال الآري والأساطير التي اكتشفتها الإثنولوجيا كالأساطير الأسترالية والبولونيزية والهندية تندرج كلها تحت الميتوس الإغريقي مثلما أن العقل الحديث يندرج تحت اللوغوس الإغريقي ولقد استعاد العقل العلمي في مواجهة الأساطير غير الكلاسيكية حكم الفلاسفة القديم حول هوميروس وهزيود، على أن النقد الحديث سليل ماركس ونيتشة وفرويد رغم اختلاف استدلالاته عن تلك التي كانت للعقلانية الكلاسيكية يندرج ضمن امتداد تطهير العقل للأسطورة، إلا أنه ومهما كانت الإجابة التي قدمها الفلاسفة سواء كانط أو شيلينغ أو هيجل أو برجسون أو هايدغر حول كون نوع الخيال الأنطولوجي الذي تتضمنه الأسطورة هو في النهاية أقلّ درجة من الحقيقة القائمة على النظام المفاهيمي فإن تفكيرهم المشترك يهدف نحو غرابة متعالية ليست الأسطورة إلاّ انبثاقاً عنها.

print