إن كان ينعت بالغرابة ما يسمى «مشهداً ثقافياً» حاضراً، فإن الظرفية التي أنتجته لهي الأغرب والأقسى مكانياً وزمانياً.. لست ممن يبحثون عن مسوغات للهرب إلى توليد الإيجاب من رحم الانكسار، بل إن الدخول في صميم المشهد ومن يؤلفه، لهو نقطة الانطلاق الأجدى للعبور إلى معرفة ما طرأ على المجتمعات والأفراد من تغيرات ليس على الصعيد الثقافي وحسب، بل على الصعيد النفسي أيضاً، جعل الشريحة الأكبر منهم عصافير بلا مخالب، بلا ماء، بلا آباء، داخل قفص محكم بإغلاق من هجر المنزل.. مالك المفاتيح المتهم بالتخلي عن البيت وعمن في داخل القفص مُبرَّأٌ من محكمته الذاتية بتأييدٍ من شهودٍ يتقاسم وإياهم المآدب العامرة بكلّ ما يتيح لهم المطبخ الثقافي المحلي والعالمي في عصرٍ بات فيه الحصول على الوجبات الرئيسة الدسمة، والمقبلات الافتراضية الرخيصة أقرب إليهم من رشفة الماء.. فمن المتهم إذاً، ومن هو صاحب الحق؟ الإجابة هنا تفترض تبرئة الطرفين، فالأول: الجوال بين «لايكات» الشاشة الزرقاء ومنابر ملتقيات المقاهي الخاصة على مدار الدقيقة، ليس هو من العصافير الباحثة عن آباء، ولحن جديد ومميز ليكون من مالكي المفاتيح في المستقبل، هو شيء آخر، كائن بلا أجنحة، يبحث في الحاضر عن فضاء افتراضي، يخرجه من دوامة العزلة، ولأن الأنثى منهم تغرق بعدم قدرتها على التماهي مع «ابنة المستكفي» مثلما يعي مذكرهم عدم انتسابه فيزيولوجياً إلى عنترة، أو لمورث علمي أو اقتصادي أو اجتماعي يمنح أجنحته بعضاً من ريش، فإن الانتساب إلى عالم الثقافة، وبنسقها غير المحروس بقوانين صارمة، ألا وهو «الشعر»، سوف يمنحهم بعضاً من ريش على صعيد العالم الأزق، أو الحي الذي يقطنون بين جدران عشوائياته، أو على الأقل ضمن الأسرة الصغيرة التي ينتمون معها إلى تلك الغربة المتشعبة في النفوس بألوان مختلفة، وهذا ما يجعل من الانتساب التعسفي لعالم «الثقافة-الشعر خاصة» مسوغاً، لا بل إنه ضروري، ومشروع، مادام قادراً على ترميم جراح من لا صوت لهم.. هذا المسوغ يُحمِّل الطرف الثاني في المعادلة مسؤولية النظر إلى تلك المنابر على أنها حالة ثقافية مجازية من مخلفات الحرب، تستحق التأمل والمتابعة والدراسة للوصول إلى ماهية الطارئ السلبي بغية معالجته، متابعة يُعوّم فيها الجانب الإنساني للحالة بمنتهى المسؤولية،مع احتمال فتح باب القفص لمن يكون مؤهلاً للتحليق في سماء المستقبل.

print