يحلّ علينا شهر رمضان المبارك لنتذكر فيه كل ميزات المحبة والرحمة ونكران الذات والإيمان بالمبادئ السامية والقيم الرفيعة ومساعدة المعوزين والعوائل المتعففة بما تملك من طعام وشراب، هذا الشهر الفضيل فيه تسود الألفة ويعم الخير على البشرية، وتزول الضغائن بين الأفراد، ويناجي فيه العبد ربه أن يمنّ عليه بالبركات والصحة والأمان، وأن يغفر له ذنوبه وينشر على ربوع الأرض السلام والعدل والأخوة ليعم الرخاء ونسيان الضغائن والأحقاد والتوجه نحو بناء مجتمع العدل والحرية والسلام.
إن الله سبحانه وتعالى قد أنزل القرآن الكريم في هذا الشهر الفضيل ليعلّم البشرية أحكام الدين الجديد بلسان عربي فصيح، فكانت آياته هدى للناس وطريق خلاص من عبادة الأصنام التي كان المشركون من قريش يصلون خلفها، وبعد أن انتشر الإسلام كان يمثل هذا الدين روح المحبة والتسامح بين البشر، وكانت رسالته عربية في لغتها ومضمونها وسرعة انتشارها حين امتزجت بالفتوحات العربية الإسلامية، لقد حدثت في شهر رمضان انطلاقة الدعوة على لسان النبي محمد صلى الله عليه وسلم بنزول الوحي لتحطيم الأصنام والتآخي بين أجناس البشر (لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)، وفي هذا الشهر المبارك اتجه العرب المسلمون إلى إطعام الفقراء والمساكين وابن السبيل، كما بدأ المؤمنون الصائمون والساجدون الراكعون لله عزّ وجل بالتفكير الروحاني نحو طاعة الرب والتوسل إليه في هذا الشهر بروح تتملكها الرهبة والتأمل لعبادة الله وطلب المغفرة من أدران الذنوب التي ارتكبها الإنسان بقصد أو بغير قصد.
علينا في هذا الشهر الفضيل، وفي هذه الظروف الصعبة التي يمرّ فيها وطننا الغالي أن نساعد الفقراء والمحتاجين كل حسب قدرته المادية والمعنوية، ولا نبخل بما نملك، وأن ندخل الفرحة في قلوب المعوزين من الشيوخ والنساء والأطفال من أبناء شعبنا حتى ولو كان التبرع برغيف خبز أو قطعة جبن أو ليرة واحدة أو بحبة من التمر أو كوب من اللبن، فالله الواحد الأحد قد جعل من هذا الشهر الكريم واحة خير وبركة وحنان لنحب بعضنا بعضاً، متصدين لعوامل الكراهية التي دخلت بلادنا من وراء الحدود بأساليب الفرقة والقتل الجماعي لتدمير الزرع والضرع والحجر.
في هذا الشهر الكريم أنزل الله كتابه العزيز (القرآن الكريم) في ليلة القدر، ونحن نعرف عظمة هذه الليلة المباركة ((إنا إنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر)).
في هذا الشهر المحبب إلى القلوب والأرواح ندعو الجميع إلى التسامح والتصافح وحب الجار وحماية الممتلكات ومحاربة الفساد وعدم استغلال قوت الشعب، لأن عظمة هذا الشهر ترفض كل أشكال العبودية والتفرد بحقوق المواطن، فهذا الإمام علي كرّم الله وجهه جالس مع فاطمة الزهراء في الكوفة وقت الإفطار وفي أوانيهم (تمر ولبن وخبز الشعير والماء) دق بابهم رجل فقير، ملابسه رثّة ورجله حافية، فلما خرج له أبو الحسن، طلب منه هذا الفقير شيئاً من الطعام، فقال الإمام علي لفاطمة الزهراء: «يا فاطمة ناوليني ما عندنا من طعام» فأعطته الزهراء طعام إفطارهما، فنزلت الآية القرآنية ((ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً)).
إن فضل شهر رمضان علينا كبير، وعليه وجب علينا أخذ العبرة والإيمان بفضائله للبشرية جمعاء، فالأسود والأبيض كلهم سواء يعبدون الرب الواحد، فسلام عليك يا شهر التقوى والهدى والرحمة والغفران.

print