حسب التقليد التحليلي في أوروبا وأمريكا الشمالية تنحو الفلسفة إلى أن تكون تقنية بحتة تركز على المنطق والتحليل المفهومي وبالتالي فإن مواضيع اهتماماتها تشمل نظرية المعرفة والأخلاق وطبيعة اللغة وطبيعة العقل وهناك ثقافات واتجاهات أخرى ترى أنها دراسة الفن والعلوم فتكون نظرية عامة ودليل حياة شامل وبهذا الفهم تصبح الفلسفة مهتمة بتحديد طريقة الحياة المثالية وليست محاولة لفهم الحياة.

وبكل الأحوال إن الحديث عن حقيقة ماهية الفلسفة وغايتها يعد موضع تساؤل قابل لنقاش طويل وهذا بالطبع يشكل أحد المظاهر الأساسية للفلسفة في ميلها للتساؤل والتدقيق في كل شيء والبحث عن ماهيته ومختلف مظاهره وأهم قوانينه ونظراً لكل هذا فإن المادة الأساسية للفلسفة تبدو مادة واسعة ومتشعبة ترتبط بكل أصناف العلوم وربما بكل جوانب الحياة إلا أنها وبالرغم من ذلك تبقى متفردة عن بقية العلوم والتخصصات من حيث توصيفها بأنها “التفكير في التفكير” أي التفكير في طبيعة التفكير إضافة إلى كونها تحاول الإجابة عن الأسئلة الأساسية التي يطرحها الكون والوجود.

وبالطبع شهدت الفلسفة تطورات عديدة مهمة فمن الإغريق الذين أسّسوا قواعد الفلسفة الأساسية كعلم يحاول بناء نظرة شموليّة للكون ضمن إطار النظرة الواقعية إلى الفلاسفة العرب الذين تفاعلوا مع الإرث اليوناني دامجين إياه مع التجربة ومحولين الفلسفة الواقعية إلى فلسفة اسمية، إلى فلسفة العلم والتجربة في عصر النهضة ثم الفلسفات الوجودية والإنسانية ومذاهب الحداثة وما بعد الحداثة.

وبالتالي إذا كانت الفلسفة حسب نظرة بعض الباحثين بأنها علم لا يمكن تعلمه طالما أن التفكير في التفكير انفتاح الذات على نفسها على طريقة “اعرف نفسك” تلك العبارة التي نادى بها سقراط والتي غدت منطلق التفكير الفلسفي فإن هدف الفكر الفلسفي لا يجب أن يكون شيئاً آخر غير إتاحة الفرصة لانفتاح الكينونة على نفسها وعلى العالم من حولها وعلى قدرها الخاص بها.

فالفلسفة ومنذ عهد سقراط إلى غاية ميشيل فوكو كانت ولا تزال هي الجهد الذي يبذله العقل على ذاته لمساءلة ونقد ومراجعة ما وصل إليه، وشهد هذا الجهد أوجه مع المشروع النقدي لكانط من خلال كتبه “نقد العقل العملي” و”نقد العقل الخالص” و”نقد ملكة الحكم” وغيرها، ومن حيث إن التفكير الفلسفي وكما تم الاتفاق على تعريفه بأنه مواجهة نقدية دائمة مع الأفكار التي يحملها العقل لذلك نلحظ أن القدرة على التفكير مقترنة دائماً بالقدرة على التحرر، فالقدرة على التفكير مع سقراط هي القدرة على التحرر من الأفكار المسبقة، وهو القدرة على التحرر من الأفكار الحسية مع أفلاطون، ومن الأفكار البديهية مع ديكارت، ومن الاغتراب مع فيورباخ، ومن الاستلاب مع ماركس، ومن الميتافيزيقا مع هيدجر، ومن آليات الدعاية مع أرندت، ومن آليات السلطة مع فوكو، ومن هنا يمكن الفهم لماذا اختلفت الرؤى بخصوص كيفية الوصول إلى الحياة المثالية التي هي المهمة الأساس والرئيسة للفلسفة.

طباعة

عدد القراءات: 3