دار جدي المبنية فوق رابية، كانت في الحقيقة دارين متسعتين؛ واحدة لسكن العائلة، والثانية دار مهجورة، اصطلح الجميع على تسميتها: تلك الدار… وتلك الدار، تحول جزء منها إلى زريبة تؤوي حمارَي جدي الأبيضين، وبقرته، ودجاجات جدتي.. وثمة قاعة واسعة مهجورة في عمق المكان، تحولت إلى مستودع لسقط المتاع، ومنه ثمة لوحة لجدنا القديم، مرسومة بألوان أضحت طبشورية باهتة..
ومذ غادرني خوف الطفولة من أشباح العتمة، ومن الجن الذين يقيمون أعراسهم في الأماكن المهجورة.. رحت أتردد على قاعة الأشياء المحتضرة، وفي مرحلة الشقاوة المراهقة، وجدت ما يكفي من الجرأة لأن أحمل صورة الجد القديم، ورحت أحاول قراءة الأساطير التي تختبئ خلفها.. ثم بدأت أمسح، بقطعة مبللة، غبار الزمن المتراكم فوقها عسى أستطيع استعادة بعض من تاريخ استكان تحت سنين من الرهبة والجلال… لكن معالم اللوحة راحت تختفي تدريجياً.. ويمكن القول: إن الجد القديم غادر اللوحة نتيجة حماقتي، وتذكرت أن جدي الحي، حدثني عن جدي القديم الذي لم يكن يحب الاستحمام، وأنه لم يسكب الماء فوق جسده طوال الربع الأخير من حياته التي امتدت إلى ما يقرب من قرن..
ركنت اللوحة التي تحولت إلى ألوان من الغضار الجاف فوق محراث ينوء بالصدأ، والتفتُّ، فرأيت جدي الحي متهدلاً أمام الباب، وقال لي: «دع الأموات يدفنون أمواتهم، وتعال معي، لأن الحمار الكبير يحتضر»… وعند مطلع الفجر لفظ الحمار الكبير آخر أنفاسه…
وباع جدي بقرته عقاباً لها على ولاداتها المتعاقبة عجولاً ستصبح ثيراناً للذبح فيما بعد، ثم باعت جدتي دجاجاتها واحدة بعد الأخرى، حين غدا أمر إطعامها أكثر تكلفة من شراء بيض المداجن، ثم جاء العقاريون (في بداية الزمن العقاري) ليشتروا (تلك الدار)..
ومن العجائب التي لا تصدق أن صورة جدي القديم ظهرت مجددا ً في اللوحة، وظهر طرفا شاربيه المعكوفين كجناحي صقر.. وخلت أنه يقول: «أنا لا أبيع»!…
وأما جدي الحي، فكان يداري غصة فقر في صدره، وقال للسماسرة الغرباء بصوت جهور: «تلك الدار ليست للبيع»…

print