هناك ما يكفي من الصّبر، هناك فائض القدرة على تحمّل الحماقة.. تلك التي لا حدود لها كلّما تمادى خطاب العقل يزهو بلا رقيب من الجنون.. ولا غرابة إذ الجنون هو نفسه يراقب السير اليومي للعقل وليس العقل هو الذي يراقب الجنون، فتلك مهمّة مستحيلة، هما مساران يتكاملان ضمن منطق المنطق نفسه.. فالعقل يضع موازين وحدوداً للصواب وفق تشارطية ما، كما نحا تارسكي، بينما منطق الجنون لا يقف عند رسم الحدود بل عند خرقها وفق مقصد ثابت هو كسر القيود التي تُراكمها تشارطيات الموازين وخضوع العقل المستمر لتلك الحدود.. ثمة منطق لوضع الحدود وثمة منطق لإزاحتها عند الاقتضاء.. حاجة العقل للجنون هي حاجة يفرضها قدره الأنطولوجي.
لكن هناك ما هو خطر نتعايش معه..إنّنا نقبل بالحماقة وبها نحيا، لكننا ندين الجنون لأنه يُحرجنا.. تؤثّث الحماقة وجودنا الرّاهن.. وأحيانا تبدو هي العلامة التي تسبق اللغة.. ما قبل سلطة الخطاب.. يمكن إدراك الحماقة بالصمت أيضاً.. حين يخرج الصّمت من حكمته ليصبح صمتاً بارداً ينتهك دفء الوجود.. صمت في سياق يتطلب انفجار الكلام.. تتجلّى الحماقة في الكلام والصمت معاً.. في الرموز والعلامات.. في «الميتوس واللّوغوس» حين يستبدّان بأقصيهما.. وعلينا ألا نبدأ الحديث عن الحماقة بالتباس.. إنّنا لا نعني بها الجنون كما يفعل أهل الترجمة حين ينتهكون نصّاً يُمجّد أو يهجو الجنون.. يقع الجنون على هامش العقل.. وما كان هامشياً هو أوسع.. وقد يصبح بفعل الاستبعاد مسخاً على حافّة الخطاب كما تنحو مقاربة ميشيل فوكو.. هو ضرب من الخطاب محكوم عليه في حالة سراح.. وأحياناً يبدو الجنون فرصة يسخرها العقل في تواطؤ ماكر لكسر قيوده.. بينما الحماقة فراغ وثقوب تربك الوجود.. تحتل الحماقة عقلنا السياسي وكل أشكال تعبيراتنا وحتى انزواءاتنا..الحماقة خطيرة لأنها تمشي بوقاحة ويقين..أما الجنون فهو يحتفظ بحدود من المعقول، وهو ما يجعله قادراً على تصريف المعنى بما يمكن أن نسميه «بلاغة الجنون» لكن ما «بلاغة الحمق» يا ترى؟
لقد أطبقت الحماقة على المشهد.. توجد في كل الأوقات وفي كل الحقول.. تتربّص بالحقيقة، فهذا مما أدركه العقلاء، لكن الأخطر هنا أنها باتت تتحرّش بالجنون.. تعترض سبيل الجنون فتجعل المهمة صعبة على العقل.. في نهاية المطاف، فإنّ الحماقة حين تتحرّش بالجنون فهي تقوّض المهام السّرّية للعقل نفسه.. تتقمّص صفة الجنون وتتمثّل أدواره حينما – أي الحماقة – تفقد بيئتها الحاضنة فتجعل الجنون شاهد زور على وقاحتها..لا أثق في الكلام ولا في الصّمت، فالحماقة تحاصر المكان، وهي تعبّر بكل الرموز والعلامات.. بالكلام والصمت.. بلغة العقل تارة وبلغة الجنون تارة.. ولكنها أمر مختلف تماماً.. وحتى الجمهور بات أكثر ميلاً وحميمية إلى الحماقة.. كم هي محظوظة الحماقة حين تمشي بخيلاء وتجلس بخيلاء ولا أحد يحاسب الحماقة بقدر ما يحاسب العقل والجنون.. هناك كما ذهب فوكو وجود لمستوى آخر من الاستبعاد يكمن في تلك القسمة بين العقل والجنون، هذا في نظام الخطاب ولكن الترجمة التّسامحية لمثل هذه النّصوص تدخلنا أحياناً في نوبة أخرى من التحديد والتبيين، لأنّ الجنون ليس هو الحماقة، فالجنون هو نفسه مؤسس لثورة العقل فما تأسيس الحماقة يا ترى؟
يقرأ المثقّف المشهد من خلال هذه البطون المتكاثرة، ويمنح المعنى مجالات أخرى لاكتشاف سمتها المفتوح على كلّ المقاربات.. فالجنون بالمعنى الثّوري هو عنوان إرادة من أجل الوجود لكن الحماقة ليست سوى عنصر طفيلي يحمي به الضّعفاء أنفسهم ويجعلونها تعويضاً عن عقل فقد آخره، فالحماقة عاجزة عن تمثّل مسؤولية العقل ومغامرات الجنون.. الحماقة تطفّل وليست مغامرة.. عنوان لضحالة الوجود، هذا الأخير يتقوّم بالعقل وبذلك الاحتياطي الذي يرفد العقل نفسه بالقوة التحفيزية وبالممكنات والاحتمالات والفرص الجديدة..لا تبحث عن الجنون في الحماقة بل هو كامن في نظام العقل نفسه، كعجلة احتياطية حين تستنزف التّقنية ملكات العقل، أو حين يفقد العقل صوابه ويتصرّف هو نفسه كحماقة، فالجنون هو مُنقذ العقل من الحماقة.. أليس العقل أحياناً يفقد لياقته ويتحدّث بلغة الحماقة؟

*كاتب من المغرب

print