عشت في سورية في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت تتعرض لمؤامرة لا تقل ضراوة عما تتعرض له اليوم.. يومها تحالفت الرجعيات العربية مع «الإخوان المسلمين» والصهاينة، وفتحوا حرباً في الداخل السوري وفي لبنان، بهدف إضعاف سورية، وفتح المجال أمام تسوية القضية الفلسطينية حسب الشروط الصهيونية، الأمر الذي كانت سورية تقف عقبة في طريق تحقيقه.
في ذلك الزمان عرفنا أزمات الخبز، والدواء، والحليب، وزيت الطبخ، وبعض الخضر كالبندورة. لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة، لذلك فشلت محاولات تحويل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة سياسية.
بالتدريج ومن دون دعاية، بدأت الأزمات تنفرج الواحدة تلو الأخرى، وما هي إلا بضع سنوات حتى أصبحت سورية تصدر الأدوية والقمح والخضر.
كان انطباعي دائماً أن الأزمة والحصار كانا من أهم أسباب النهوض الاقتصادي السوري الذي بدأ في النصف الثاني من الثمانينيات، وبلغ ذروته قبل الحرب الإجرامية على سورية في مطلع هذا العقد.
منذ عام ٢٠٠٣ والإدارة الأمريكية تحيك خيوط المؤامرة الحالية على سورية، ولاسيما بعد فشل زيارة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول إلى سورية عقب الاحتلال الأمريكي للعراق.. لقد شكل رفض الرئيس بشار الأسد لشروط الأمريكية ضربة للمشروع الأمريكي الذي اعتقد أنه حسم الأمور لمصلحته.. قام جون بولتون، نائب وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، بإثارة عاصفة في الكونغرس الأمريكي زاعماً «امتلاك» سورية أسلحة الدمار الشامل وأنها «تدعم الإرهاب»، وهو الأمر الذي تلقفته النائبة عن الحزب الجمهوري إليانا لينين، وبدأت حملة لإقرار ما يُسمي «قانون محاسبة سورية» الذي أقره الكونغرس لاحقاً بأغلبية ساحقة.
احتوى «القانون»، إضافة للعقوبات، شروطاً لا تختلف عن تلك التي وضعها كولن باول، لكن الرفض السوري وحالة النهوض الاقتصادي التي كانت في تصاعد مستمر، أدت إلى فشل القانون في تحقيق أهدافه، وبقيت سورية صامدة على موقفها السياسي المقاوم.. أمام هذا الفشل لم يكن من حل أمام أعداء سورية سوى اختلاق أزمة جديدة، فكان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، وعادت شروط كولن باول لتطلّ برأسها من جديد.
استطاع الحليفان، سورية والمقاومة الوطنية اللبنانية «حزب الله» تفادي الفخ الذي نُصب لهما بمحاولة إشعال الساحة اللبنانية من جديد، لم يكد الحلف الإمبريالي يهنأ بما عدّه «انتصاراً»، وهو يشاهد قوات الجيش العربي السوري تعود من لبنان، حتى جاء الرد المزلزل في تموز ٢٠٠٦، إذ استطاع حلف المقاومة، بقيادة سورية ودعمها وبطولات مقاتلي حزب الله، إلحاق هزيمة مُذلة بالصهاينة، وتحويل «عناقيد غضبهم» إلى كابوس مازال يطاردهم حتى اليوم.
تتالت الجولات بين حلف المقاومة والعدو الصهيوني، لكن رد فعل المقاومة خلال العدوان الإسرائيلي على غزة عام ٢٠٠٨ أظهر أن المقاومة الفلسطينية التي بدأت تمتلك تقنية صاروخية، ستشكل تهديداً في الجنوب لا يقل خطورة عن التهديد القادم من الشمال.
مع انطلاقة «الربيع» الرأسمالي، بدأت حلقة جديدة من حلقات المؤامرة على سورية، اعتقد الكثيرون أنها الأخيرة، لذلك كشفوا عن وجوههم، واستثمروا كل إمكاناتهم، وأطلقوا عملاءهم من ليبراليين ويساريين و«إخوان»، وتسابقوا على إعلان «موعد صلاتهم في المسجد الأموي»، وإطلاق مشاريعهم التقسيمية.. لقد تجاوزوا مرحلة الخيال إلى الوهم الذي سيتحول إلى كابوس.
لكن حساب حقلهم أفسده حساب بيدرنا، وحصدت مناجل الجيش العربي السوري نبت الإرهاب الشيطاني من أرض سورية.. صمد الشعب السوري أمام إجرام الإرهاب، ومؤامرات الأعداء وبينهم «أشقاء».. بكى خسارة الأحبة، وشكا ضيق العيش، وانعدام بعض المواد الأساسية، وتراجع فرص العمل، لكنه لم يستسلم، اجترح معجزاته، ووجد حلوله، وبقي صامداً.
اليوم، والحرب تقترب من وضع أوزارها، وهزيمة حلف العدوان أصبحت مُحققة، لم يبق في يد هذا الحلف سوى سلاح الحصار الاقتصادي.. لقد أدرك هذا الحلف هزيمته منذ عام ٢٠١٦، لذلك وضع ما يسمى «قانون سيزر» للانتقام من سورية وحلفائها وشركائها الاقتصاديين.. ومع تفعيل هذا القانون لم يَعُد ممكناً للشركات نقل النفط إلى سورية، وإذا كانت الناقلات تابعة لدول حليفة فلن يتم التأمين عليها، ويمكن منعها من عبور الممرات المائية، ويمكن إغلاق حدود الدول المجاورة اقتصادياً، والأهم أنها تمنع مرور العديد من البضائع عبر حدودها ولاسيما النفط.
ترافقت حملة الحصار الاقتصادي، بحملة إعلامية، ولاسيما على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية، ظاهر هذه الحملة الحديث عن معاناة المواطن، وتصيّد بعض الأخطاء هنا وهناك، وتحويلها إلى ظاهرة عامة، أما باطنها فهو تبرئة حلف العدوان من الحصار الإجرامي، وتحويله إلى أزمة داخلية سورية.
إن من يدّعون الدفاع عن المواطن السوري، يناصرون من يحاصر اليمن الذي أعلنت الأمم المتحدة أن ٨٥ ألفاً من أطفاله ماتوا نتيجة المجاعة، ويمولون من يسعى لسرقة قمح ونفط شمال سورية وتهريبه إلى تركيا وغيرها.
برغم أيام الحصار «أيام المحنة» فإن المعجزة السورية تتحقق دائماً، وجيلاً بعد جيل، لعلها معادلة صمود الشعب، وبسالة الجيش، وحكمة القيادة، وسطوة التاريخ. .. مازالت الحرب مستمرة في الميدان، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، ومازلنا نحن العرب السوريين، صامدين وسننتصر لأن المعجزة قدرنا.

*كاتب من الأردن

print