على الرغم من التاريخ القصير للولايات المتحدة الأمريكية فإن الأمريكان حريصون على ابتكار أنماطهم العليا الخاصّة بهم، وحريصون على ترسيخ تلك الأنماط المستحدثة التي يطلقون عليها تسمية (الآباء المؤسّسين) الذين أنجزوا استقلال بلادهم عن التاج البريطاني، لقد دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ترسيخ أسماء المؤسسين وتعميم صورهم، ونشرها في مختلف بقاع العالم من خلال تعميم الدولار الأمريكي، وفرضه على العالم عملةً عابرة للحدود, في موازاة الذهب، وبديلاً عن الذهب، فالدولار الأمريكي بفئاته المختلفة يحمل صور أولئك المؤسّسين، بما يعني أنّ الإدارات الأمريكية تريد جعل أنماطها العليا الخاصّة أنماطاً عليا للبشرية جمعاء، فهي لم تكتف بفرض أنماطها بوساطة الدولار بل أضافت إلى ذلك سعيها اللاهث الصريح إلى منح (المؤسسين) صفات أسطورية، وأعمالاً بطولية خارقة، وممارسات, وأبعاداً ميتافيزيقية، حسبما تذهب إليه مؤسسة هوليوود، تحت أنظار الجميع، وبرغم أنف الجميع, وبرغم أنف الشقّة الزمنية القريبة من عصرنا، فـ (المؤسّسون) وأبناء اليوم أبناء عصر واحد بمقاييس تاريخ الأمم والشعوب. وبالتوازي مع السياق الأمريكي القائم في هذا الاتّجاه لنا أن نتساءل عن الإبادة الجمعية لأنماطنا العربية العليا، بما في ذلك نبش قبور بعضهم وحرق البقايا،بالتوازي مع تدمير المتاحف والأوابد وجميع ما يمكن أن يرتبط بذاكرتنا الجمعية، وهذا عملٌ انتهجه الغرب بشقيه الأوروبي والأمريكي، وشارك فيه معظم العرب، حكومات وشعوباً بحماس منقطع النظير، وإذا ما حاولنا تبسيط المسألة فيمكن أن نقع في جانب من التفسير على أمر يبدو ساذجاً متسّماً بمعايير طفولية: إذْ لو لم تكن الأنماط الثقافية والمعتقدية، وحتى السياسية، العربية الكبرى ذات فاعلية قصوى في تأسيس وجودنا الجمعي، وتعزيز هذا الوجود، لَما انبرى الغرب المعادي بكل قواه وشراسته التاريخية إلى تدمير أنماطنا العليا وإلغائها، تهميشاً، وتتفيهاً، وتكفيراً، وحرقاً مباشراً، وما إلى ذلك، ونضيف إلى ما سبق الافتراضَ الآتي الذي يتّخذ شكل تساؤل جمعي: ما الحالة التي كنّا سننحدر إليها لو لم يكن في تاريخنا الجمعي الخاص بنا، بوصفنا مجموعة ثقافية/ قومية محتوياً على أسماء ترسّخت أنماطاً عليا، أو جُعلت بمنزلة الأنماط العليا على الصعد كلها؟ والإجابة يمكن تكثيفها بمثال الأنماط الثقافية الشعرية، تمثيلاً لا حصراً، فنسأل أنفسنا: كم كان من الممكن أن نكون فقراء، لو لم يكن في تاريخنا الثقافي امرؤ القيس وأبو تمام والمتنبّي؟.

print