يشترك المبدعون، قبل أن نحمّلَهم صفات العبقرية والتمجيد، بتخطّي الزمن وكسر المألوف والكتابة على اللوح الكونيّ الوسيع، الذي نسمّيه كتاب الحضارة… ومأثرة المبدع أنه يتفرّد كي يجد له مكاناً بين النّجوم والكواكب، ويدوم بريقُه بلا انطفاء!
في تاريخ كلّ عبقريّ، نقطة، هي التي تقدحُ الشّررَ عند ذِكره، ودوامِ بقائه، فكيف إذا كانت تلك العبقرية شغلَ زمن قصير، عديدُ أيامه لا يُحسَب في حياة إنسان عاديّ عبر الدنيا بالمصادفة، بحيث يحظى روائيٌّ شاب مثل «لير مونتوف» بالخلود، إلى جوار كتّاب عظام سبقوه أو عاصَروه، وحين يوضع في ميزان النقد أو التمجيد، يُذكَر حتماً عمرُه الذي لم يتخطَّ الربيعَ إلى خريفه وشتائه! لم يعِش هذا الشاعر، الروائيّ، أكثر من سبعةٍ وعشرين عاماً، وهذه قيمةٌ مضافة له، لأن ندرةً نادرة، من عظماء التاريخ، كانوا فتياناً، أو شبّاناً، حين أتموا الرسالة وحفروا سطراً في لوح الكون الوسيع، خاصّة في مجال الإبداع المعرفي الذي يحتاج إلى تخميرٍ طويل…طويل، وإذ قال لي، وهو مثقفٌ واسع المعرفة: -هاتي لي مبدعاً عربيّاً أذكره حين يمرُّ «لير مونتوف» الذي خلّد أدب لغته برواية «بطلٌ من هذا الزمان» وهو في ربيع العمر، وحسِبَ أنه يحرجني ويعجزني، قبل أن أظهّر له صفحات من حياة «ابن سبعين»، ذلك الأندلسيّ الذي أفحم ملك صقلية «فريدريك الثاني» بأجوبة على أسئلة وجودية صعبة، من نمط: -هل العالم قديمٌ أم محدَث؟
-ما هو العلمُ الإلهي؟
-المقولات، أيُّ شيء هي؟ وكيف يُتَصرَّف بها في أجناس العلوم، حتّى يتمَّ عددُها (عددُها عشْرٌ) فهل يمكن أن تكونَ أقلَّ، أو يمكن أن تكونَ أكثر، وما البرهان على ذلك؟
-النّفس، ما الدّليل على بقائها، وما طبيعتها؟ وتفرّع من السؤال الأخير، سؤالٌ: -أين خالف الإسكندر الأفروديسي أستاذَه أرسطو في مقولاته؟ والمذهل ليس في إجابات «ابن سبعين» التي صارت كتاباً، عنوانُه «بُدُّ العارف»، بل في أنه كان في الخامسة عشرة من عمره! وقيل إن في كتابه الكثيرَ من الصّنائع العلميّة والعملية، وبتبسيطٍ أكثر، كان قد اطّلع بعمق على الثقافة اليونانيّة والفلسفة وعلوم الدين، والاطلاع ممكن عند شخص متفتّح وذكي، أما التأليف فأمرٌ آخر! فكيف إذا كان المؤلّف في الخامسة عشرة من عمره؟؟ ولماذا قصّرنا في الإضاءة على مثل هذا العبقري؟ لأن الفكر الظلامي، كان دائماً بالمرصاد!

print