هكذا هي الأيام تمضي مسرعة، تحمل في جنباتها المسرات والهنات، وهاهي تعود أيام شهر رمضان المبارك، شهر العبادة والرحمة،محطة رئيسة للوقوف من جديد، لعل ذلك فيه صفاء ونقاء وسمو للنفوس وتسامح مع الذات.. فمن يستعد وينجز عمله وإيمانه بكل فصوله ومتطلباته سيظفر بالأجر والثواب، محطة لتهذيب الصدور من أي درنات وعقد، قوامها الرحمة والمغفرة.
قلة ممن يتصيد أياماً كهذه ليجد ضالته وفحشه الربوي من رقاب العباد في شهر العبادة،فعندما يأتي موسم رمضان من كل عام يبدأ البعض من التجار والباعة بطرح بضائعهم ومنتجاتهم بقوائم سعرية لافتة للنظر، ويقومون بالتسويق لمنتجاتهم، تحت ستار عمل الخير، وكأنهم أصحاب فضل عليك عندما تشتري منهم، بل ويرغِّبونك في الصدقة وأهميتها وكأنك لا تستطيع أن تعمل الخير إلا من خلالهم، وفي المقابل لا يمكن أن تجد منهم أي مبادرة لفعل المعروف والإحسان في هذا الشهر الفضيل، بل يرون أنه شهر الكسب والربح الوفير، يسعِّرون ويبيعون بلا رحمة، أو أي وازع أخلاقي يتسامى مع قدسية الشهر الفضيل.
أسواق اشتعل فتيل لهيبها، معلنة أن كل المواد والسلع وخاصة الغذائية هبَّ سعرها وتضاعف مرات ومرات، فالطلب تحرك أمام ضرورة تأمين المادة استعداداً لما يتطلبه الشهر.
تخفيض الأسعار بات مجرد طرحٍ لا يقدم شيئاً جديداً، وهو حديث ممزوج بسخريات ورغبات ممن هم أقوى في فرض رأيهم وكلمتهم في سوق يغلي أصلاً، فالوقائع تؤكد أن هناك تلاعباً من قبل تجار ومستغلي الظروف واحتياجات المستهلك خاصة إذا علمنا سيمفونية ما يحصل لدى أمثال الموردين والبائعين الكبار أنه من غير الممكن أبداً البيع بأرباح أقل من النصف على أقل تقدير، فالربح البسيط لم يعد بخانة حساباتهم بل تجاوز حد المعقول، ومقولة «لا ضرر ولا ضرار» غير مفهومة أو منسية بشكل تام، فالاستغلال في غير رمضان كابوس ومعاناة، فكيف هي الحال الآن..؟!
ارحموا من في الارض، فالأيام تتسارع، وما على الإنسان إلا أن يستغل لحظات الشهر، يتفانى بإنجاز أعماله، يكون منتجاً ورحيماً بإخوته، لا أن تعميه أطماعه ويتحول إلى عبء على رقاب العباد..!

print