يكتسي موضوع اللغة أهمية بالغة في تاريخ الفكر البشري لكونها تمثل شرطاً ضرورياً يؤسس لوجود الفكر بالقوة وتجسيداً فعلياً لهذا الوجود في الوقت نفسه ولا يمكن الخوض في أية مسألة دون وسيلة التعبير عنها ممثلة في اللغة بل إن كل نشاط بشري يبدو مستحيلاً دونها وهي الوسيط الأساسي والدائم بين الإنسان والحقيقة ولم يكن بالإمكان تاريخياً أن تتشكل المعرفة الإنسانية وتتطور وتنتقل عبر الزمان والمكان إلا بوساطتها..

فهي حسب تعبير غادامير الكائن الوحيد القابل للفهم، كما أنها تمثل بشكل عام وأساسي إلى جانب الفهم الخاصيتان الأساسيتان المميزتان لكل علاقة بين الإنسان والعالم، وهي وسيلة التعبير عن كل ما له معنى وما لا ليس له معنى..

وبكل الأحوال هي لم تخرج تاريخياً عن دائرة التأمل الفلسفي إذ لا يخلو عصر من إسهامات تعكس مستوى التطور الحضاري لمجتمع ما والذي يمكن أن يقاس بدرجة اهتمامه باللغة وقد تدرج هذا الأخير من حضارة لأخرى عبر مستويات من اللغة الاجتماعية إلى اللغة النحوية إلى اللغة المنطقية ثم إلى اللغة الشارحة أو ما بعد اللغة..

وقد تجلى هذا الاهتمام أكثر منذ العصر اليوناني خاصة ضمن الجدل السفسطائي والمحاورات السقراطية والأفلاطونية وضمن أعمال أرسطو اللغوية، وفي الحضارة العربية مثلت اللغة مقدمة أو مدخلاً أساسياً لجميع العلوم وحظيت باهتمام متزايد منذ القرون الوسطى إلى عصر النهضة وصولاً إلى جهود فلاسفة اللغة والمنطق في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ولم تعد مجرد موضوع للتأمل والبحث في الأدبيات المعاصرة بل أضحت وبفعل القفزات المعرفية الكبرى مكوناً أساسياً في منهج البحث ذاته..

ويمكن القول: إن التداخل الذي حصل بين الاهتمام المتزايد بموضوع اللغة وبين القفزات النوعية في علم المنطق كان عاملاً رئيسياً في نشأة وتطور الفلسفة التحليلية المعاصرة بفروعها المختلفة وهذا التحول في مكانة اللغة ومركزيتها يؤكد مدى ما يمكن أن تؤديه من خدمة في التعامل مع القضايا الفلسفية وقدرتها على الإسهام المتجدد في فهم الكثير من قضايا الفكر والواقع وتفسيرها وفي توجيه مسار البحث الفلسفي والعلمي بما يخدم المعرفة والإنسان، حتى أنه بدلاً من أن تبقى اللغة موضوعاً فلسفياً خاصاً كبقية الموضوعات عادت لتشكل محوراً أساسياً للتفكير الفلسفي فتحولت مهمة هذا الأخير مع الفلسفات التحليلية كالذرية المنطقية والوضعية المنطقية ومدرستي أكسفورد وكمبردج اللغويتين إلى التحليل المنطقي للغة وهذا ما عرف بالمنعطف اللغوي.

print